كردستان ليست مصطلحا… إنها هوية تقاوم وذاكرة شعب

صلاح عمر

في زمنٍ تتكاثر فيه الأقنعة كما تتكاثر الخرائط المزوّرة، وتُعاد فيه صياغة اللغة لا لتقول الحقيقة بل لتخفيها، يصبح الدفاع عن الاسم دفاعا عن الوجود ذاته. فالأسماء ليست حيادية في التاريخ، وليست مجرّد إشارات لغوية بريئة، بل هي عناوين للذاكرة، وشفرات للهوية، ومفاتيح للحق. حين يُستبدل اسم كردستان بتعابير فضفاضة مثل «أخوة الشعوب» و«الأمة الديمقراطية» و«الاندماج الديمقراطي» و«شمال شرق سوريا» و«المجتمع الديمقراطي»، لا نكون أمام تطوّر فكري ولا أمام ثورة لغوية، بل أمام مشروع ناعم لمحو شعب من اسمه، وأرض من ذاكرتها، وقضية من معناها. إنها عملية تجريد بطيئة ولكن عميقة، تُفرغ الوعي القومي من مضمونه، وتحاول أن تحوّل الكرد من شعب صاحب قضية تاريخية وحقوق قومية إلى “مكوّن” بلا ذاكرة ولا سيادة ولا حق في أن يسمّي نفسه.
هذه المصطلحات التي تُقدَّم اليوم بوصفها حداثة سياسية أو فلسفة تحررية ليست بريئة، ولا ولدت من رحم معاناة شعب كردستان، ولا من دم شهدائه، ولا من صرخات أمهاته. إنها صيغ مستوردة، صُنعت في مختبرات سياسية خارج السياق الكردي، ثم زُرعت في خطابنا لتؤدي وظيفة محددة: تذويب الهوية القومية داخل إطار رمادي ضبابي يخدم أجندات خارجية، كانت ولا تزال ترى في أي اعتراف بالكرد شعبا ذا حق سياسي خطرا يجب احتواؤه أو تحييده. إنها محاولة لقتل الروح القومية بأسلحة ناعمة، بعدما فشلت كل أدوات القمع الخشنة، من الإبادة إلى التعريب إلى التهجير، في إخضاع هذا الشعب أو محو اسمه.
وحين يُقال للكرد اليوم إن التمسك باسم كردستان “تقسيم”، وإن الدفاع عن الهوية “تطرّف”، وإن المطالبة بالحقوق القومية “تهديد للاستقرار”، علينا أن نتذكّر أن هذه اللغة ذاتها استُخدمت في كل مراحل تاريخنا لتبرير اضطهادنا. قيل لنا إن ثورات الشيخ سعيد بيران وقاضي محمد وملا مصطفى البارزاني كانت “فتنا”، وإن انتفاضات روج آفاي كردستان كانت “مؤامرات”، وإن أي صوت كردي حر هو “خطر على وحدة البلاد”. اليوم تُعاد اللعبة ذاتها، ولكن بلغة أكثر نعومة، وبشعارات أكثر بريقًا، وبأقنعة أكثر دهاءً.
الكرد لم يناضلوا قرنًا كاملا، ولم يقدّموا مئات آلاف الشهداء، ولم يُحرَقوا في حلبجة، ولم يُهجَّروا من عفرين وسري كانيه وكوباني والجزيرة، كي يُقال لهم اليوم إن اسم أرضهم “إشكالي”، وإن هويتهم “تفصيل”، وإن قضيتهم يمكن أن تُختصر في شعارات عابرة من نوع “الأمة الديمقراطية” و“المجتمع الديمقراطي”. هذه ليست مصالحة مع التاريخ، بل هروب منه. وليست تجاوزا للقومية، بل قفزا فوق جراحها دون علاجها. فالشعوب لا تتجاوز آلامها عبر إنكارها، بل عبر الاعتراف بها وبحقوقها.
نحن لسنا ضد العيش المشترك، ولا ضد التعددية، ولا ضد التلاقي بين الشعوب. بل إن تاريخ كردستان نفسه هو تاريخ تعايش عميق بين الكرد والعرب والسريان والأرمن وغيرهم. لكننا نرفض أن يكون ثمن هذا التعايش هو محو اسم كردستان من الخريطة الذهنية والسياسية، وتحويل الكرد إلى مجرد رقم في معادلة الآخرين. فالشراكة الحقيقية لا تقوم على إنكار أحد أطرافها، بل على الاعتراف المتبادل. والعدالة لا تولد من لغة تمحو، بل من لغة تسمّي الأشياء بأسمائها.
أن تقول كردستان يعني أن تعترف بالتاريخ، وبالدم، وبالذاكرة، وبالحق. يعني أن تعترف بأن هناك شعبا عاش على هذه الأرض قبل أن تُرسم حدود سايكس – بيكو، وقبل أن تُخلق الدول القومية الحديثة، وقبل أن تُصاغ دساتير تنكر وجوده. يعني أن تعترف بأن هذه الأرض لم تكن يوما “شمال شرق سوريا” في وعي أهلها، بل كانت وستبقى كردستان. وحين تهرب إلى “أخوة الشعوب” و“الأمة الديمقراطية” لتتجنب هذا الاعتراف، فأنت لا تمارس حداثة سياسية، بل إنكارا مغلّفا بلغة جميلة.
اللغة هنا ليست تفصيلا، بل ساحة معركة. لأن من يربح اللغة يربح الوعي، ومن يربح الوعي يربح المستقبل. حين يُربّى جيل كردي على أن يسمي أرضه “شمال شرق سوريا” بدل كردستان، وعلى أن يرى هويته “انتماء ديمقراطيا” بدل انتماء قومي، نكون أمام عملية إعادة هندسة للذاكرة الجمعية. وهذه أخطر من أي قمع عسكري، لأنها تخلق أجيالا لا تعرف ماذا فقدت، ولا لماذا يجب أن تطالب بحقوقها.
لا شراكة بلا هوية،
ولا عدالة بلا اعتراف،
ولا سلام دائم إذا طُلب من الكرد أن ينسوا من هم، وأين يعيشون، ولماذا ناضلوا كل هذا الزمن.
كردستان ليست كلمة في معجم سياسي يمكن استبدالها بمرادف أقل إزعاجا للآخرين. إنها ذاكرة شعبٍ ممتدة عبر آلاف السنين، وحق أرضٍ سُقيت بدماء لا تُحصى، وعهد دمٍ لا يسقط بالتقادم. من يتنازل عن الاسم يتنازل عن الحق، ومن يتنازل عن الحق يفتح الباب لتكرار المأساة، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.
لهذا، فإن معركتنا اليوم ليست فقط مع من يحمل السلاح ضد الكرد، بل أيضا مع من يحمل اللغة ليجرّدهم من اسمهم. فكما دافع أجدادنا عن الجبال والقرى واللغة، علينا اليوم أن ندافع عن الكلمة التي تختصر كل ذلك: كردستان. لأنها ليست مجرد جغرافيا، بل وعد بالحرية، وذاكرة مقاومة، وحقّ شعب في أن يكون سيد اسمه وتاريخه ومستقبله.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إبراهيم اليوسف بشار الأسد بين خياري المواجهة: الاعتذار أم إعلان الحرب؟ نتذكر جميعاً كيف أنه في آذار 2011، تعرّض أطفال في درعا للتعذيب داخل فرع أمني. كما نتذكر أن المسؤول المباشر كان رئيس فرع الأمن السياسي المدعو عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، الذي نُسب إليه تعذيب أطفال درعا، بدعوى كتابتهم على أحد الجدران عبارات تستهدف بشار الأسد. تلك الواقعة…

نورالدين عمر تتصاعد في الآونة الأخيرة أصوات بعض الناشطين والمثقفين المطالبة بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من اتفاقية 10 آذار، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: ما هو البديل الواقعي؟ إن الاندفاع نحو الانسحاب في ظل هذه الظروف المعقدة يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، منها: ماذا لو تحالفت السلطة في دمشق مع أنقرة لشن هجوم منسق على مناطق شمال…

هجار أمين في أروقة السياسة الكردية في أربيل ودمشق والقامشلي، تتناقل الأوساط السياسية أحاديث عن فصل جديد يُكتب في ملف كرد سوريا، فالرئيس مسعود بارزاني، بثقله التاريخي وخبرته الدبلوماسية، يبدو جاهزاً لقيادة مرحلة دقيقة وحاسمة، قد تُعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة. في قاعة مفترضة، تجلس وفود ثلاثة: ممثلون لسلطة دمشق بوجوه محنكة، تحمل ورقة “الوحدة الترابية” كشماعة لكل حديث. ومقابلهم،…

د. محمود عباس   في سوريا اليوم، لا يعود قصر الشعب مجرد مقرّ حكم أو رمز سيادي، بل يتحول إلى مرآة مكثّفة لانهيار فكرة الدولة نفسها. فهذا القصر، حيث يقيم الرئيس أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، يقوم فوق أرض رخوة من الشرعية المؤجلة، لا لأنه نتاج انتقال ديمقراطي، بل لأنه ثمرة تسوية دولية هشّة مع تنظيم كان،…