هجار أمين
في أروقة السياسة الكردية في أربيل ودمشق والقامشلي، تتناقل الأوساط السياسية أحاديث عن فصل جديد يُكتب في ملف كرد سوريا، فالرئيس مسعود بارزاني، بثقله التاريخي وخبرته الدبلوماسية، يبدو جاهزاً لقيادة مرحلة دقيقة وحاسمة، قد تُعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة.
في قاعة مفترضة، تجلس وفود ثلاثة: ممثلون لسلطة دمشق بوجوه محنكة، تحمل ورقة “الوحدة الترابية” كشماعة لكل حديث. ومقابلهم، وفد كردي مشترك يجمع أطيافاً سياسية متعددة، يحمل هموم شعب طال انتظاره. وإلى الجانب، قادة عسكريون من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بزيّهم العسكري، يذكرون الجميع بأن الأرض لها سادة، وأن السيطرة على الجغرافيا لا تُمنح بالمحاباة.
هنا، في هذه القاعة، ستُسقَط كل الشعارات الكبيرة. لن يكون الحديث عن “حقوق تاريخية” أو “هوية قومية” فقط، بل عن تقسيم عوائد النفط، عن رواتب الموظفين، عن من يسيطر على المعابر، عن اسماء الشوارع في مدن الجزيرة السورية. الرئيس بارزاني، العارف بخفايا اللعبة، يعلم أن التفاوض الناجح يبدأ من التفاصيل الصغيرة، لا من المطالب الكبيرة.
وفي مقهى قديم بالحسكة، يجلس سياسي قديم من المجلس الوطني الكردي، يتذكر سنوات الخلاف والانقسام. هو اليوم أمام خيار تاريخي: الانضمام إلى الإدارة الذاتية، أم البقاء في صف المعارضة؟ الرئيس بارزاني، الذي عانى من الانقسام الكردي في الماضي، يعلم أن الوحدة ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية. قد نراه يدعو الجميع إلى أربيل، ليصنع من “البيت الكردي” مثالاً يحتذى، حيث تُحل الخلافات على طاولة واحدة، بعيداً عن أعين الأطراف الإقليمية التي تنتظر فرصة للاختراق.
اما على الحدود السورية التركية، حيث نسمع أصوات دوريات متقابلة، قد نرى قريباً مشهداً مختلفاً. ربما زيارة سرية، أو وسيط يحمل رسائل. الرئيس بارزاني، بعلاقته المعقدة والمتغيرة مع أنقرة، قد يكون الرجل المناسب لفتح هذا الملف الشائك. الحوار مع تركيا لن يكون عن “الحب والسلام”، بل عن صفقة واقعية: أمن مقابل استقرار، اعتراف بحقوق مقابل ضمانات. قد لا نرى مصافحة علنية قريباً، لكن قد نرى توقف القصف، وفتح معابر، وبداية حوار خافت.
ولكن في دمشق، يجلس خبراء قانونيون على طاولة مغبرة، أمامهم دستور 2012. هم يعلمون أن التعديل الدستوري القادم لن يكون مجرد تعديلات هامشية، بل قد يكون ولادة جديدة لفكرة “سوريا”. اللامركزية التي سيكتبونها قد تُغيّر وجه البلاد للأبد. الرئيس بارزاني، من خلال خبرائه القانونيين، سيدفع نحو “لامركزية حقيقية” تعترف بالخصوصية الكردية، ليس كمنحة من الدولة، بل كحق دستوري.
وفي غرفة عمليات عسكرية، تنتشر خرائط تحمل أسهمًا حمراء وزرقاء. قائد ميداني يقول لضباطه: “المعارك الكبيرة ليست في مصلحة أحد”. قد تكون هناك مناوشات كـ”رسائل” ميدانية، أو استعراض عضلات عند حقل نفط، أو منازعة على ثكنة عسكرية. لكن الجميع يعلم أن الحرب الشاملة ستكون انتحاراً متبادلاً. الرئيس بارزاني، الذي خبر الحروب وعواقبها، سيعمل كصمام أمان، مذكراً الجميع بأن الدماغ يفوز حيث تخسر البنادق.
نحن أمام لحظة قد لا تتكرر. الرئيس بارزاني، في خريف عمره السياسي، قد يرى في هذا التحدي فرصته الأخيرة لكتابة إرث تاريخي. ليس إرثاً عسكرياً كمعارك تحرير، بل إرث سياسي كمسار تفاوض. قد لا نرى نتائج ملموسة غداً، لكننا سنرى بداية طريق طويل، حيث يتحول الكرد من “قضية” إلى “أطراف فاعلة”، ومن “أقلاقة مضطهدة” إلى “شركاء في الوطن”.
في نهاية المطاف، هذه ليست نبوءة، بل قراءة في شاي السياسة المرّ. ففي شرقنا، حيث تكثر المفاجآت، قد تنجح الحكمة حيث فشلت القوة، وقد تنتصر الكلمة حيث عجزت الرصاصة. والرئيس بارزاني، حكيم الأكراد، يبدو مستعداً لاختبار هذه المقولة على أرض الواقع.