د. محمود عباس
في سوريا اليوم، لا يعود قصر الشعب مجرد مقرّ حكم أو رمز سيادي، بل يتحول إلى مرآة مكثّفة لانهيار فكرة الدولة نفسها. فهذا القصر، حيث يقيم الرئيس أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، يقوم فوق أرض رخوة من الشرعية المؤجلة، لا لأنه نتاج انتقال ديمقراطي، بل لأنه ثمرة تسوية دولية هشّة مع تنظيم كان، حتى الأمس القريب، مصنّفًا في صلب المنظومة الإرهابية العابرة للحدود. من هنا، فإن أي انفجار محتمل في قصر الشعب، إن وقع، لا يُقرأ بوصفه حادثًا أمنيًا معزولًا، بل بوصفه ارتدادًا طبيعيًا لصراع سنّي داخلي ثلاثي، تُحرّكه حسابات إقليمية، وفي مقدمتها الحساب التركي.
هذا الصراع لا يدور حول الدولة السورية حبًا بها، ولا دفاعًا عن سيادتها، بل حول من يحتكر تمثيل “السنّة” ومن يفرض شكل الدولة القادمة. في مستواه الأول، تقف الجماعات التكفيرية المتطرفة، تلك التي لم تؤمن يومًا بالسياسة ولا بالدولة الوطنية، وترى في أي مسار مدني خيانة صريحة لعقيدتها. هذه الجماعات لم تُعوَّم لأن أحدًا يؤمن بها فكريًا، بل لأنها وظيفة إقليمية جاهزة، وجدت في تركيا الحاضنة الأذكى لاستثمارها لا كحلفاء، بل كأدوات.
الدور التركي هنا لا يمكن فهمه بوصفه دعمًا للتطرف حبًا به، ولا دفاعًا عن سوريا، بل كرهًا بالحراك الكوردي أولًا، وبالإدارة الذاتية ثانيًا، وبأي نموذج ديمقراطي لا مركزي يفضح فشل الدولة القومية العنصرية التي يتبناها النظام التركي. تركيا لم تراهن على التكفيريين لأنهم مشروع دولة، بل لأنها تدرك أنهم السلاح الأنجع لضرب التجربة الكوردية، وتشويهها، واستنزافها، وتحويلها من نموذج سياسي إلى “ملف أمني”.
ومن هنا تحديدًا جرى تعويم التنظيمات الراديكالية والمرتزقة، لا بوصفها بديلًا للدولة السورية، بل بوصفها عصا دائمة مرفوعة في وجه روج آفا. فكلما تقدّم المشروع الكوردي خطوة باتجاه التنظيم المدني والتعددي، جرى استدعاء التكفيريين إلى الواجهة، ليس لحماية دمشق، بل لإعادة خلط الأوراق، وشيطنة أي قوة تحمي هذا المسار.
في المستوى الثاني من الصراع، تقف الحكومة السورية الانتقالية، التي تحاول أن تُقنع الداخل والخارج بأنها غادرت الجهاد نحو السياسة، لكنها لم تستطع بعد أن تتحرر من إرثها التنظيمي ولا من ضغوط الرعاة الإقليميين. هذه الحكومة مدعومة من السعودية وأمريكا بوصفها “الخيار الممكن”، لكنها في الواقع محاصرة بين نارين، تكفيريون يرونها مرتدّة، وشارع مدني لا يثق بتحولها. وفي هذه المعادلة، تجد نفسها مضطرة لمجاراة الخطاب التركي أحيانًا، أو الصمت عنه، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالكورد وقسد.
أما المستوى الثالث، وهو الأكثر إقصاءً، فيتمثل في السنّة الليبراليين والعلمانيين، ومعهم سائر القوى السورية التي تطمح إلى دولة مدنية لا مركزية، دولة مواطنة لا عقيدة، وقانون لا فتاوى. هؤلاء هم العدو المشترك غير المعلن للتكفيريين وللسلطة الانتقالية معًا، لأن وجودهم ينسف رواية “الضرورة الأمنية”، ويطرح سؤالًا محرجًا، لماذا لا تُبنى دولة مدنية فعلًا؟
في قلب هذا المشهد، يتقدّم موقع الكورد بوصفه العقدة التي تحاول تركيا تفكيكها بكل الوسائل. فالإدارة الذاتية، والحراك الكوردي السياسي والمجتمعي، والهيئة المنبثقة عن مؤتمر قامشلو في نيسان الماضي، لا تمثل خطرًا عسكريًا على أحد، بل خطرًا سياسيًا وفكريًا على النموذج التركي نفسه. إنها تقول، بالفعل لا بالشعارات، إن سوريا يمكن أن تُدار بلا مركز قاهر، وبلا دين مسيّس، وبلا قومية إقصائية.
وفي البعد العسكري، تصبح قوات سوريا الديمقراطية الهدف المثالي لحملات الشيطنة، لا لأنها تنظيم متطرف، بل لأنها تمنع عودة التطرف، ولذلك جرى تحويل قسد إلى “شماعة” جاهزة، مرة بحجة الإرهاب، ومرة بحجة الانفصال، ومرة بحجة تهديد الأمن القومي. هذه الشيطنة ليست بريئة، بل هي المرحلة الأولى من تكفير الكورد سياسيًا وأخلاقيًا، تمهيدًا لتبرير أي عدوان عليهم، أو أي محاولة لكسر مشروعهم.
فحين تُشيطن قسد، لا يُستهدف تنظيم عسكري فحسب، بل يُستهدف كل ما تمثل، حماية المكونات، منع الفوضى، إغلاق الطريق أمام الدولة الدينية. ومن هنا يصبح التكفير أداة سياسية، لا عقائدية، تُستخدم ضد الكورد لأنهم رفضوا أن يكونوا وقودًا في حرب سنّية–سنّية لا تخصهم.
لهذا، فإن أي انفجار محتمل في قصر الشعب، إن حدث، لن يكون بداية مرحلة جديدة، بل ذريعة إضافية لتكثيف الهجوم على المشروع الكوردي، ولتحميل قسد والإدارة الذاتية مسؤولية أزمة لم يصنعوها، بل حاولوا احتواء نتائجها، فالمركز، حين يعجز عن حل صراعاته الداخلية، يبحث دائمًا عن طرف يحمّله الفشل.
وبالتالي، لا يدور الصراع في سوريا حول قصرٍ أو شخص رئيس، بل حول سؤالٍ جوهري واحد: هل تُبنى دولة مدنية لا مركزية، تتّسع للكورد ولغيرهم من مكوّنات البلاد، أم يُعاد إنتاج دولة دينية–أمنية بواجهات متعدّدة ومضمون واحد؟
في هذا السياق، اختارت تركيا أن تراهن على الفوضى، لأنها ترى في أي استقرار كوردي خطرًا وجوديًا يهدد بنيتها الأيديولوجية ومشروعها الإقليمي. ولم يكن التكفيريون يومًا غاية بحد ذاتهم، بل أداة وظيفية، تُستدعى وتُدار عند الحاجة.
والضحية الأولى في هذا المسار ليست دمشق، بل الكورد، لأنهم تجرؤوا على بناء بديل سياسي واجتماعي خارج منطق الإلغاء والتوحيد القسري. أما سوريا، كوطن ودولة، فهي مستهدفة في جوهرها، لأنها لا تنسجم مع أهداف تركيا ولا مع مشاريع التنظيمات التكفيرية، التي لا تريدها إلا بوجه واحد، ولون واحد. وهذه هي البذرة الحقيقية التي ستقضي على سوريا، لا كجغرافيا فحسب، بل كفكرة دولة ووطن.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
30/12/2025م