شادي حاجي
القضية الكردية ليست قضية عاطفية ولا ظرفية، بل هي قضية قومية تاريخية معقّدة، تتقاطع فيها الجغرافيا مع السياسة، والهوية مع المصالح الإقليمية والدولية. ومن هنا، فإن أي نضال كردي جاد من أجل الحقوق القومية المشروعة لا يمكن أن ينجح دون فهمٍ عميق لكيفية تفكير القوى المحيطة بالكرد في الأجزاء الأربعة لكردستان، ومشاريعها داخل دولها وفي منطقة الشرق الأوسط عموماً. فالسياسة ليست ما نريده نحن فقط، بل ما يريده الآخرون أيضاً، وكيف نوازن بين الإرادتين.
أولاً: تركيا – هاجس الدولة الواحدة
تنظر الدولة التركية إلى الشعب الكردي من زاوية أمنية بحتة. فالمؤسسة السياسية والعسكرية التركية، بغض النظر عن الحكومات المتعاقبة، تعتبر أي اعتراف سياسي أو قانوني بالهوية القومية الكردية تهديداً مباشراً لوحدة الدولة. لذلك، فإن سياسات أنقرة تقوم على منع تشكّل أي كيان كردي مستقل أو حتى شبه مستقل، سواء داخل تركيا أو على حدودها.
تركيا ليست ضد الكرد بوصفهم أفراداً، لكنها ترفض الكرد كمشروع سياسي قومي. وفي المقابل، تستخدم الاقتصاد والتنمية وأحياناً التفاوض كأدوات احتواء، لا كمدخل لحل جذري. وهذا يفرض على الكرد في تركيا تبنّي نضال طويل الأمد يعتمد على السياسة والقانون وبناء تحالفات داخل المجتمع التركي، بدل الرهان الحصري على الصدام.
ثانياً: إيران – الخوف من التعدد القومي
تفكّر إيران بعقلية الدولة المركزية العقائدية، حيث تُعدّ القوميات غير الفارسية (الكرد، البلوش، العرب، الأذريين) مصدر قلق دائم.
النظام الإيراني لا يقبل بالاعتراف القومي الحقيقي، لكنه في الوقت نفسه يجيد سياسة الاحتواء والاختراق، واستخدام التناقضات الداخلية.
إيران تخشى أن يتحوّل الكرد إلى جسر عدوى قومية بين الداخل والخارج، لذلك ترفض أي تنسيق كردي عابر للحدود. وعليه، فإن النضال الكردي في إيران يتطلب ذكاءً سياسياً عالياً، وربط القضية الكردية بمشروع ديمقراطي شامل، لا حصرها في الإطار القومي الضيق فقط.
ثالثاً: سوريا – قبول مؤقت ورفض استراتيجي
في سوريا، سواء في مرحلة النظام المركزي أو خلال المرحلة الانتقالية الحالية، لم تعترف الدولة فعلياً بالكرد كشعب ذي حقوق قومية مشروعة. ما حدث من مكاسب للكرد في روچ آڤا كردستان كان نتيجة فراغ سياسي وعسكري، لا نتيجة قناعة رسمية.
الدولة السورية قد تقبل بالإدارة الذاتية كحل مؤقت، لكنها سترفضها على المدى البعيد إن لم تُفرض سياسياً ودولياً. لذلك، فإن التحدي الأكبر أمام الشعب الكردي في سوريا هو تحويل الواقع القائم إلى شرعية سياسية معترف بها قبل أي تسوية نهائية.
رابعاً: العراق – الدستور بين النص والتطبيق
يُعدّ العراق الحالة الأكثر تقدماً نسبياً في التجربة الكردية، حيث يتمتع إقليم كردستان الفيدرالي باعتراف دستوري. لكن هذا الاعتراف يبقى هشّاً بسبب ضعف الدولة العراقية، والصراعات الداخلية، والتدخلات الإقليمية.
تفكّر بغداد أحياناً بعقلية الشراكة الدستورية، وأحياناً أخرى بعقلية المركز المتحكّم بالثروة والقرار. وهذا يجعل وحدة الصف الكردي داخل العراق مسألة مصيرية، لأن الانقسام الداخلي هو الثغرة الأكبر التي تُستغل لإضعاف أي موقف كردي تفاوضي.
خامساً: إسرائيل – دعم قائم على المصلحة
تنظر إسرائيل إلى الشعب الكردي والحركة السياسية الكردية من زاوية استراتيجية، باعتبارهم قوة غير عربية يمكن أن تشكّل توازناً إقليمياً. دعمها للكرد ليس أخلاقياً ولا قومياً، بل مرتبط بمصالحها في إضعاف خصومها.
وبالتالي، فإن أي علاقة كردية–إسرائيلية يجب أن تُدار بحذر شديد وعمق، لأن العلاقة الظاهرة قد تؤدي إلى زيادة وتيرة مشاعر العداء والخوف والتعصّب أو العنصرية ضد الشعب الكردي والثقافة الكردية إقليمياً، بالرغم من أن معظم دول المنطقة لها علاقات علنية، ورغم ما قد توفّره من دعم سياسي أو استخباراتي.
سادساً: الولايات المتحدة – الحليف المتقلّب
الولايات المتحدة لا تملك أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، بل مصالح دائمة. دعمت الكرد في مراحل معيّنة، وتخلّت عنهم في مراحل أخرى. وهي تنظر إلى القضية الكردية من منظور الاستقرار الإقليمي، لا من منظور حق تقرير المصير.
لذلك، فإن الخطأ الأكبر هو الرهان المطلق على واشنطن. الصواب هو بناء علاقة قائمة على المصالح المتبادلة، مع الاحتفاظ بالقدرة الذاتية وعدم الارتهان للقرار الخارجي.
الخلاصة: نحو عقل سياسي كردي جديد
إن عدالة القضية الكردية حقيقة لا جدال فيها، لكن التاريخ يثبت أن العدالة وحدها لا تصنع الحقوق. ما يصنع الحقوق هو الوعي الاستراتيجي، والتنظيم، وفهم ميزان القوى، ووحدة الرؤية، ومعرفة أن القوة الناعمة لا تعمل بمفردها، فهي بحاجة ماسّة إلى امتلاك كافة أسباب ومصادر القوة الصلبة، والجمع بينهما للتوصّل إلى إمكانيات القدرة على توظيف هذه المصادر لتحقيق أهداف سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية متّفق عليها كردياً.
المطلوب اليوم من السياسيين الكرد:
الانتقال من ردّ الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي
بناء خطاب سياسي واقعي لا شعاراتي
توحيد الموقف الكردي ما أمكن عبر الأجزاء الأربعة
الجمع بين النضال السلمي والعمل الدبلوماسي والحفاظ على القوة الذاتية دون تهوّر
فالقضية الكردية لن تُحلّ بالصوت العالي وحده، ولا بالانتظار، بل بعقل سياسي يعرف كيف يفكّر الآخرون، ومتى يواجه، ومتى يفاوض، ومتى يصبر.
وإلى مستقبل أفضل