صديق شرنخي
لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ.
منذ قرن تقريبًا، تشكلت دول الشرق الأوسط الحديثة على قاعدة قومية صلبة: تركيا على القومية التركية، إيران على القومية الفارسية، والدول العربية على الهوية العربية المركزية. في هذه المنظومات، لم يُنظر إلى الكورد كشعب أصيل له حق تقرير مصيره، بل كـ “مشكلة” ينبغي إدارتها أو تفكيكها أو إنكارها. لذلك فإن ما يتعرض له الكورد اليوم ليس نتاج توتر ظرفي، بل استمرار لعقيدة دولة راسخة تعتبر أي كيان كوردي مستقل خطرًا وجوديًا.
في هذا السياق، تكتسب الأشرفية والشيخ مقصود أهمية تتجاوز جغرافيتهما المحدودة. فهذان الحيان يمثلان رمزًا لإمكانية وجود إدارة كورديّة ذاتية داخل واحدة من أهم المدن السورية. نجاح هذا النموذج، ولو في نطاق محدود، يرسل إشارة مقلقة إلى أنقرة وطهران ودمشق مفادها أن الكورد قادرون على تنظيم أنفسهم سياسيًا وأمنيًا خارج منطق الدولة المركزية. ولهذا السبب بالذات، تحولت هذه المناطق إلى خاصرة رخوة للنظام الارهابي و هدف دائم للضغط العسكري والحصار والتفكيك السياسي.
الاستراتيجية المتبعة ضد هذه المناطق تتكرر بنمط واضح: خلق توترات أمنية، تأليب بيئات محلية، فرض ٠حصار اقتصادي وخدمي، ثم دفع الأطراف الكوردية إلى طاولة تفاوض من موقع ضعف. الهدف ليس فقط السيطرة الميدانية، بل تفريغ الفكرة الكوردية ذاتها من مضمونها السياسي.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا سيحدث في الأشرفية والشيخ مقصود؟ بل: ماذا سيحدث إذا نجح هذا النموذج؟ الجواب واضح: سيُعاد تطبيقه في تل رفعت، ومنبج، وعين العرب، وفي كل منطقة تشكل حضورًا سياسيًا كورديًا قابلًا للتطور.
أما عن خطاب “الأخوة” الذي يُطرح في مواجهة هذه الوقائع، فقد أثبت التاريخ أنه لا يصمد أمام منطق الدول. العلاقات في الشرق الأوسط لا تُدار بالعواطف، بل بموازين القوة والمصالح. لذلك فإن التعويل على تغيير أخلاقي في مواقف أنقرة أو طهران أو العواصم العربية تجاه الكورد هو وهم سياسي. هذه الدول لا تعادي الكورد لأنهم “أشرار” أو “متمردون”، بل لأن وجودهم المنظم يهدد أسس هويتها القومية.
في هذا الإطار، تثار أحيانًا فكرة البحث عن تحالفات غير تقليدية، بما فيها إسرائيل. هذا الطرح، مهما كان حساسًا، يجب أن يُناقش بواقعية باردة: الدول لا تتحالف بدافع الحب أو الكراهية، بل وفق تقاطع المصالح. إسرائيل ترى في أي كيان كوردي عامل توازن ضد تركيا وإيران، لكنها في الوقت ذاته لن تضحي بمصالحها من أجل الكورد. كما هو حال الولايات المتحدة وروسيا، الدعم الخارجي يبقى أداة ظرفية لا ضمانة وجودية.
الدرس الكوردي الأكبر عبر القرن الماضي واضح: كل مرة ربط الكورد مصيرهم بقوة خارجية دون امتلاك قوة ذاتية مستقلة، انتهى ذلك إلى خيبة أو كارثة. القوة الحقيقية لا تُستعار، بل تُبنى سياسيًا وعسكريًا ومجتمعيًا.
من هنا، فإن مستقبل الأشرفية والشيخ مقصود، كما مستقبل المشروع الكوردي في سوريا، لن يُحسم فقط في ساحات الاشتباك، بل في القدرة على إنتاج قرار كوردي موحد، ووعي سياسي جماعي، ومؤسسات قادرة على الصمود أمام الضغط الإقليمي. العداء لن يزول، لكنه يمكن تحييده حين يصبح ثمن ضرب الكورد أعلى من مكاسبه.
وفي الشرق الأوسط، هذه هي اللغة الوحيدة التي تُحترم.
بوخم المانيا .