القضية الكوردية بين إنكار الحقوق وتقاطعات المصالح الدولية

المحامي عبدالرحمن محمد

تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”.

ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية عقب الحرب العالمية الأولى، بل تجاوزتها، مستندة إلى اتفاقيات ترسيم الحدود المصطنعة التي عقدها الاستعمار البريطاني والفرنسي، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 وغيرها من الاتفاقيات، ولا سيما اتفاقية عام 1926، التي جرى بموجبها ضم وإلحاق مساحات واسعة من جغرافيا كوردستان بالدولة التركية.

وجاء ذلك نتيجة تجاهل تركيا وتنصلها من مسؤولياتها والتزاماتها الدولية والسياسية والقانونية والحقوقية تجاه الشعب الكوردي، وبالتواطؤ مع بعض الدول المؤثرة في القرار الدولي آنذاك، في إطار اتفاقيات مصالح وتسويات وصفقات ومقايضات، غذت العداء التاريخي التركي ضد الشعب الكوردي وحقوقه السياسية وهويته القومية، وأنكرت جغرافيا كوردستان ونفت الوجود التاريخي للشعب الكوردي على أرضه، معتمدة على منطق القوة، وهو أمر ليس جديدا.

فتركيا على يقين تام بأن مصطفى كمال أسس دولة للأتراك على أرض كوردستان. ونتيجة لذلك، جرى تقسيم جغرافيا كوردستان مرة أخرى، وتوزيع الشعب الكوردي بين عدة دول من دون إرادته أو أخذ رأيه، وبذلك تمت مصادرة حقه في تقرير مصيره السياسي.

ويجدر التذكير بأن من مبادئ وأهداف الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى كان عدم ضم أو إلحاق أي شعب بدولة أخرى من دون استفتاء، كما حصل في استفتاء عصبة الأمم عام 1925 حول مصير جنوب كوردستان، أي ولاية الموصل. إن الإلحاق والضم القسري، وبالإكراه والقوة والحروب، يعد شكلا من أشكال الاحتلال والاستعمار وفق القانون الدولي، والاحتلال لا يكتسب الشرعية الدولية مهما طال الزمن.

ولم تقف تركيا عند هذا الحد، بل تحاول، وبالتنسيق مع دمشق بعد سقوط النظام السابق، فرض أجنداتها وأهدافها السياسية ومصالحها على السلطة الانتقالية المؤقتة في دمشق، عبر تطبيق مشروعها السياسي والعدائي التاريخي ضد الشعب الكوردي في غرب كوردستان وسوريا والمنطقة عموما. ويتم ذلك من خلال اختزال القضية الكوردية في غرب كوردستان بذريعة “إرهاب قسد” وتحت عنوان الأمن القومي التركي، وهو ما تؤكده الأدلة والوقائع على الأرض.

فالهجوم على الأحياء الكوردية في مدينة حلب، ولا سيما حي الأشرفية وحي الشيخ مقصود، جرى بأوامر مباشرة من تركيا وتحت إشرافها، وبدعم عسكري ومالي وإعلامي، وعبر أدواتها ومرتزقتها من الفصائل الجهادية والإرهابية المصنفة دوليا على أنها تنظيمات إرهابية. وتعد هذه الأفعال جرائم تطهير عرقي وإبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي، وهي جرائم غير مشمولة بالتقادم، ولا سبب لها سوى الانتماء القومي لسكان هذين الحيين إلى الشعب الكوردي.

هذا فضلا عن احتلال تركيا السابق لعفرين وسري كانيه وتل أبيض، وتهديداتها وهجماتها وقصفها المستمر لجنوب كوردستان وغربها، وموقفها العدائي من استفتاء إقليم كوردستان حول تقرير المصير.

إن التاريخ يعيد نفسه من خلال سيناريوهات تقاطع المصالح الدولية والإقليمية، وعقد الصفقات والتسويات والمقايضات والتنازلات والمساومات الأميركية والإسرائيلية والتركية والسورية والسعودية، على حساب حقوق شعوب المنطقة، وبالأخص الشعب الكوردي، وذلك في ظل التواطؤ مع الصمت والسكوت والتخاذل من قبل التحالف الدولي لمحاربة داعش في سوريا والعراق، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي عموما.

لقد حاربت قوات البيشمركة وقوات سوريا الديمقراطية تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق نيابة عن العالم، وقدمت تضحيات جسيمة في سبيل ذلك.

عندما تتقاطع مصالح الدول، تتلاشى المبادئ القانونية والحقوقية والأخلاقية، وتتغير التحالفات والعلاقات والمحاور، ويكون الضحية الأولى دائما حقوق الشعوب، وفي مقدمتها حق الشعب الكوردي في الحرية وتقرير المصير.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…