غاندي برزنجي
لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام .
لكنّ أبو محمد الجولاني ، والذي تنقّلَ بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) المصنّفين إرهابيّاً على لوائح الإرهاب في العالم ، ومؤسّس جبهة النصرة ثمّ هيئة تحرير الشام – وهما لا يختلفان عن القاعدة وداعش إلّا بالاسم – قد حطّمَ ما كان يتخيّلهُ السوريون وكسرَ القاعدة ، بعد أن نَصَبَ نفسَهُ رئيساً للبلاد دون انتخابات ، وأسّسَ حكومةً من أعوانهِ ومساعديهِ ، مستفيداً من الدعم الذي قدّمهُ لهُ عدد من الدول ، وعلى رأسِها قطر والسعوديّة ، والتي دفعتْ مليارات الدولارات للرئيس الأمريكي ترامب من أجل توفير غطاء دولي لحكمهِ ، ناهيك عن تركيا التي تُعتَبَر الحاكم الفعلي لسوريا بعد سقوط نظام الأسد . أمّا دول أوروبا فهي راضية ، لأنّها وجَدَت طوق النجاة والحلّ المثالي ( وفق منظورها ) للخروج من أزمة اللجوء التي باتت تهدّدُ مصير حكوماتها .
داخليّاً ، وعلى الصعيد الشعبي ، استطاع الجولاني وفريقُهُ استغلال عاطفة فئة من السوريين ( غالبيتهم أو معظمهم من الطائفة العربيّة السُنيّة ) في أمرين :
أولاً : الحكّام الجدد سُنّة ، وبالتالي عادت سوريا إلى أصحابها الحقيقيين ، لدرجة أنّ مصطلح ( بني أميّة ) أصبح دارجاً بين هذه الفئة خلال فترة قصيرة .
ثانياً : استطاعت سُلطة الأمر الواقع إقناع هذه الفئة أنّها هي من حرّرتْ سوريا وأسقطت النظام ، على مبدأ ( اكذب اكذب حتى يصدّقكَ الناس ) ، وبالتالي فهي التي تستحق أن تقود البلد ولا أحد غيرها .
والنتيجة : ما هي إنجازات الحُكّام الجدد بعد أكثر من عام على سقوط نظام البعث ؟
1- تنصيب رئيس ذي خلفيّة إرهابيّة دون أيّ انتخابات .
2- تشكيل حكومة من لون واحد ، معظم أعضائها عديمو الخبرة في اختصاص وزاراتهم .
3- كتابة إعلان دستوري يحمي مصالح الحكّام الجدد ودون عرضها على استفتاء شعبي .
4- تعيين أعضاء البرلمان السوري في ظاهرة فريدة قلّ حدوثها في دول العالم .
5- إعطاء صلاحيات لرئيس الدولة تمهّد لحكم مركزي دكتاتوري .
6- ارتكاب مجازر بحق عدد من المكوّنات السوريّة ، وإطلاق يد المقاتلين الإرهابيين الذين يتبعون شكليّاً لوزارة الدفاع للقيام بجرائم فظيعة فاقت جرائم الأسدين خلال نصف قرن من حكمهما .
أ- مجزرة الساحل : بحق المكوّن العلوي ، وبحجّة وجود بقايا النظام السابق ، تمّ ارتكاب حالات قتل على الهويّة ، وممارسات الإذلال والتهكّم ، في إعادة لنفس ممارسات النظام السابق في إذلال السوريين ، وهي جميعها موثّقة بالصور والفيديوهات .
ب- مجازر السويداء : قامت الفصائل التابعة للحكومة بهجوم بربري على محافظة السويداء ، ومارسوا القتل على الهويّة ، بالإضافة إلى الممارسات المهينة للطائفة الدرزيّة ، وهي موثّقة بالصور والفيديوهات أيضًا .
ت- مجازر الأشرفيّة والشيخ مقصود في حلب بحقّ الكُرد : بأوامر مباشرة من تركيا ، التي طلبتْ من عدد من الفصائل العسكريّة التابعة لها فعليّاً استهداف حواجز تابعة لوزارة الدفاع ، واتهام قوات سوريا الديمقراطيّة التي لا تتواجد أصلًا في الحيّين ، وخرجت منهما باتفاق موقّع بينها وبين الحكومة ، ممّا دعا الحكومة لإرسال أكثر من أربعين ألف مقاتل ، وبدعم تركي وأسلحة ثقيلة (دبابات، مدافع، مدرّعات، وطائرات تركيّة مسيّرة) ضد حيّين محاصرين وقوات أمن داخلي (أساييش) لا يزيد عددهم في أقصى الحالات على خمسمئة عنصر . ولمدّة خمسة أيّام تمّ فيها تدمير جزء كبير من الحيّين ، في إعادة لصور المدن التي دمّرها النظام السابق ، ناهيك عن تنفيذ حالات قتل واعتقال لمدنيين بعد انتهاء العمليّة ، بعضها موثّق بالفيديوهات والغالبية لم تُصوَّر ، وذلك بعد صدور الأوامر لتلك الفصائل بارتكاب جرائمها دون تصوير، والاستفادة من دروس الساحل والسويداء بعد أن تمّ فضح ممارساتهم من خلال الفيديوهات التي تمّ تصويرها ونشرها من قبلهم .
7- إنّ أكبر خطأ ارتكبتْهُ السُلطة المُؤقّتة كان بناء هوّة كبيرة بينها وبين أكثر من نصف الشعب السوري ، وتحويلهم إلى أعداء لها بدلاً من كسب ودّهم وولائهم ورضاهم . والنتيجة هي أنّ الكُرد والدروز والعلويين والإسماعيليين والمسيحيين وجزءً من العرب السنّة باتوا يقيّمُونَ النظام الجديد على أنّهُ نظام لا يقُلّ وحشيّةً عن نظام الأسد الساقط .
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن : هل قدّم الجولاني ، خلال أكثر من عام على حُكْمِهِ ، إنجازات غير القتل والتنكيل وتكريس الحقد الطائفي أو الفئوي ؟
الجواب : لا .
فسوء المعيشة ، والخدمات الأساسيّة ، والفقر، وعدم وجود حلّ للناس التي تعيش ظروفاً صعبة في المخيّمات ، هي عناوين عريضة لتوصيف حال الشعب السوري . وتبقى إنجازات حكومة الجولاني الوحيدة ، والتي يحاول من خلالها إلهاء الناس بأمور سخيفة مثل الهويّة البصريّة والعملة الجديدة ، وربّما قريباً النشيد الوطني الجديد ، صورة أخرى تعكس خباثة هذا النظام وسذاجة الفئة التي تُطبّل له فقط لأنّهُ نظام سنّي الهويّة والانتماء .
إنّ استمرار هذا النظام بهذا الشكل ، ودون تغيير جذري في سياساته وممارساته ، ودون إشراك كلّ السوريين على اختلاف مكوّناتهم في رسم وبناء سوريا الجديدة ، سيكون وبالاً على السوريين جميعاً ، ولن تسلم حتّى هذه الفئة التي تُطبّل له ، بل قد تكون هي هدفه القادم . ولن يفيد الحكّام الجُدد رضى الخارج عنهم ، ولا كمّ التنازلات لإسرائيل والتطبيع معها ، بل يبقى رضى الشعب وقبوله هو الفيصل في ديمومة أيّة سُلطة أو رميها من قبل شعوبها إلى مزبلة التاريخ .