حين تصبح الاستقالة موقفاً، ويغيب الاعتراف

سيروان بركو

 

بعد نكسة حزيران 1967، خرج جمال عبد الناصر إلى الناس. لم يختبئ خلف بيانات غامضة، ولم يُحِل الكارثة إلى “مؤامرات” و“ظروف دولية” فقط. قال بوضوح: أنا أتحمّل المسؤولية. ثم أعلن استقالته.

لم تكن الاستقالة حلاً سحرياً، ولم تُعد سيناء، ولم تُرمّم الجراح. لكنها كانت لحظة أخلاقية نادرة تاريخية: لحظة يعترف فيها القائد أن الهزيمة ليست قدراً، بل نتيجة قرارات، وأن السلطة ليست امتيازاً بلا ثمن.

اليوم، بعد ما جرى في الشيخ مقصود بحلب، نحن أمام لحظة مشابهة في جوهرها، مختلفة في سياقها.

الناس هناك لم يختاروا أن يكونوا وقوداً لصراعات أكبر منهم. لم يطلبوا أن يكونوا ورقة ضغط، ولا “تفصيلاً ميدانياً” في لعبة إقليمية. هم مدنيون، بسطاء، أرادوا فقط أن يحموا بيوتهم وكرامتهم.

والسؤال هنا ليس: من الرابح؟

ولا: من الخاسر؟

السؤال الأخلاقي هو: من يتحمّل المسؤولية؟

قيادة قسد ليست تنظيماً هامشياً، وليست مجموعة صغيرة بلا قرار. هي قوة تملك سلطة، قراراً، تمثيلًا سياسياً وعسكرياً. ومع السلطة تأتي المسؤولية.

المسؤولية لا تعني فقط إدارة المعارك، بل حماية الناس. لا تعني فقط قراءة الخرائط، بل قراءة الألم. لا تعني فقط الصمود، بل أيضاً الاعتراف عندما يفشل الصمود في حماية المدنيين.

أهل الشيخ مقصود، ومعهم كل كردي في سوريا، لا يريدون بيانات إنشائية، ولا لغة خشبية، ولا تبريرات تقنية.

يريدون:

– ماذا حدث؟

– لماذا حدث؟

– من قرر؟

– وكيف ستُحمى حياتهم غداً؟

الفرق بين القيادة والشعار، أن القيادة تجيب.

الاستقالة ليست دائماً مطلوبة. لكن الاعتراف دائماً واجب.

المساءلة ليست ضعفاً. بل هي شرط الشرعية.

والصمت في لحظات الألم ليس حكمة، بل إهانة.

نكسة حزيران علمتنا درساً قاسياً:

أن الهزيمة لا تكون فقط في خسارة الأرض، بل في خسارة الثقة.

وما جرى في الشيخ مقصود ليس مجرد حدث أمني، بل شرخ عميق في علاقة الناس مع من يفترض أنهم حُماتهم.

إذا كانت قسد تعتبر نفسها مشروعاً سياسياً لا مجرد قوة عسكرية، فعليها أن تتصرف كقيادة، لا كقيادة عمليات فقط. أن تخاطب الناس، لا أن تختبئ خلف المتحدثين. أن تشرح، لا أن تبرر. أن تعترف، لا أن تناور.

عبد الناصر أخطأ كثيراً. نعم. لكن لحظة تحمّله المسؤولية بقيت علامة فارقة في ذاكرة المصريين. لأن الشعوب لا تطلب قادة معصومين، بل قادة صادقين.

والشيخ مقصود اليوم لا تحتاج بطولات خطابية، ولا تصفيقاً، ولا شعارات مقاومة.

تحتاج شجاعة سياسية.

تحتاج كلمة واضحة.

تحتاج قيادة تقول: نحن نتحمّل المسؤولية، وسنصحّح المسار.

لأن الناس دائماً هم الثمن.

وهم ليسوا تفاصيل.

وهم ليسوا أرقاماً.

وهم ليسوا أدوات.

هم الجوهر.

في مصر، لم يقبل المصريون استقالة جمال عبد الناصر، لأنهم لم يروا فيه مجرد رئيس، بل رمزاً لهزيمتهم وأملهم معاً، فتمسكوا به وهم ينزفون.

(2) Sirwan H. Berko – حين تصبح الاستقالة موقفاً، ويغيب الاعتراف بعد… | Facebook

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…