ما بعد سقوط الاشرفية والشيخ مقصود

جومرد حمدوش

 

لم تكن المعارك التي شهدها حيا الاشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب اشتباكا عابرا، بل شكلت محطة مفصلية انتهت بسقوط الحيين بيد قوات الحكومة الانتقالية. هذا التطور لا يمكن التعامل معه كحدث محلي محدود، بل يجب قراءته في سياق إعادة رسم موازين السيطرة بالقوة، وانعكاس ذلك على مستقبل مناطق سيطرة قسد، وخصوصًا منطقة الجزيرة التي باتت تمثل المعقل الأخير لها.

قبل الدخول في دلالات السقوط، لا بد من توضيح حقيقة أساسية: الاشرفية والشيخ مقصود ليسا كوردستان، ولا مناطق كوردية تاريخيًا، بل حيان داخل مدينة حلب. الوجود الكوردي فيهما هو نتاج عقود من الهجرة الداخلية لأسباب اقتصادية وتعليمية، ثم تعزز بفعل الحرب السورية، ليصبح أمرًا واقعًا فرضته الظروف. هذا الواقع، كما أثبتت الأحداث، يفتقد إلى مقومات الاستمرارية حين لا يستند إلى غطاء سياسي وإقليمي واضح.

ما يميز ما جرى هذه المرة هو طبيعة الجهة المنفذة. الهجوم لم يكن محصورًا بفصائل مسلحة منفلتة كالعادة، بل جرى بقرار من الدولة السورية الجديدة، وبمشاركة مباشرة من قوات تتبع لوزارة الدفاع، إذ قيل أن أكثر من 42 ألف عنصر مسلح بما فيه مقاتلين أجانب شارك فيها إضافة إلى استخدام أكثر من 110 دبابة و57 مدرعة وراجمة صواريخ و طائرات بيرقدار التركية و المسيرات الانتحارية و 22 راجمة صواريخ و عشرات المدافع الثقيلة، كل هذا كان مقابل 300 مقاتل ومقاتلة. هذا التحول ينقل المواجهة من مستوى الفوضى المسلحة إلى مستوى قرار الدولة، ويشير إلى توجه سياسي وأمني جديد في التعامل مع مناطق النفوذ الخارجة عن السيطرة.

في هذا السياق، يبرز الدور الغائب لقسد، فهي لم تدافع عن الاشرفية والشيخ مقصود، ولم تفتح جبهات موازية، ولم تستخدم أي من أوراق الضغط التي كانت متاحة لها. ما جرى كان تخليًا منظّمًا انتهى بانسحاب المقاتلين بالباصات إلى مناطق سيطرتها في الجزيرة، دون إعلان أي مقابل سياسي أو عسكري واضح، ودون تقديم أي تفسير للرأي العام الكوردي. السؤال هنا لم يعد لماذا سقط الحيان، بل في أي إطار سياسي اتخذ قرار التخلي عنهما.

كان على قسد، كحد أدنى، أن تعلن انتهاء العمل باتفاقية آذار مع حكومة الشرع فور بدء الهجوم، باعتبار أن الاتفاق فقد مضمونه السياسي والأمني. بعد ذلك، كان من المفترض فتح جبهات ضغط في مناطق أخرى، بهدف تخفيف الضغط العسكري عن الاشرفية والشيخ مقصود أو فرض معادلة تفاوض مختلفة. عدم القيام بذلك لم يكن خيارًا تقنيًا، بل قرارا سياسيا يعكس طبيعة النهج القائم في إدارة المواجهة.

نعلم جيدا أن مركز القرار لم يكن في كوردستان سوريا. هذا توصيف سياسي لمسار متكرر، لا حكم انفعالي. في عفرين، لم تتدخل قسد بفتح جبهات في مناطق أخرى لتخفيف الضغط عن المقاتلين، بل اقتصرت على تنظيم قوافل مدنية لتهريب المقاتلين باللباس المدني نحو مناطق سيطرتها في الجزيرة. وبعد عفرين، سقطت سري كانيه وگري سبي، واليوم الأشرفية والشيخ مقصود. النتيجة واحدة في كل مرة، لأن القرارات الاستراتيجية الكبرى تتخذ خارج الجغرافيا التي تتحمل نتائجها. هذا الخلل البنيوي في مركز القرار هو جوهر المشكلة، لا تفاصيل كل معركة على حدة.

تحتكر قسد قرار السلم والحرب، دون شراكة سياسية سورية-كوردية حقيقية، ودون آليات مساءلة داخلية. سجلها العسكري يؤكد هذا النهج. قسد لم تحقق انتصارات حاسمة إلا في معاركها ضد داعش، وهي معارك خيضت بدعم مباشر وشامل من التحالف الدولي. خارج هذا الإطار، كانت النتائج في الغالب خسارة مناطق بعد أخرى.

ما حصل في الأشرفية والشيخ مقصود يجب أن يكون درسًا لقسد أيضًا. كيف أن عناصر من عشائر عربية انشقت داخل الحي وفتحت المجال لدخول ما يسمى الجيش العربي السوري، يظهر أن الاعتماد على هذه العناصر خطير، فهي تشكل “قنبلة موقوتة” داخل مناطق سيطرة قسد بسبب حالة التجييش ضد الكورد. إضافة لذلك، تجربة الأنفاق في عفرين لم تساعد على حماية المنطقة، ولم تؤدِ إلى نتائج إيجابية، وكذلك الأنفاق في الأشرفية والشيخ مقصود لم تخفف الضغط ولم تحقق أي مكاسب استراتيجية، ما يؤكد فشل هذا الأسلوب.

هذا الواقع يعزز ضرورة أن تراجع قسد نهجها وتقبل أن قرارات السلم والحرب يجب أن تصدر عن مرجعية سياسية كوردية سورية تمثل مصالح شعب كوردستان سوريا، وليس أي جهة أخرى خارج هذا الإطار.

خطورة سقوط الاشرفية والشيخ مقصود لا تكمن فقط في خسارة حيين سكنيين، بل في ما يفتحه ذلك من سابقة قابلة للتكرار. نجاح فرض السيطرة بالقوة، دون كلفة سياسية داخلية، يجعل هذا النموذج قابلاً للتعميم. ما جرى في حلب قد يكون مقدمة لمسار أشمل، يعاد فيه رسم خطوط النفوذ بقرارات عسكرية، لا بتسويات سياسية.

من جهة أخرى، التخوف الكوردي في هذا السياق مبرر. دخول قوات تضم في صفوفها عناصر شاركت سابقًا في انتهاكات جسيمة بحق الكورد في عفرين وسري كانيه وگري سبي يعيد إلى الذاكرة تجربة لم تنته آثارها بعد. الجرائم التي ارتكبتها عناصر ما يسمى الجيش العربي السوري لعمليات التصفية الميدانية و اعتقال المدنيين و تعذيبهم بعد دخوها للحيين، كلها جرائم ضد الإنسانية وكافية لأن يصدر موقف موحد من كافة الأحزاب السياسية الكوردية و إعلان تعليق العمل باتفاقية 10 آذار ومن المعيب ألا يصدر هكذا بيان مشترك حتى لو كان باسم الوفد الكوردي المشترك ووضع استراتيجية واضحة للتعامل مع هذه السلطة وكيفية تأمين حماية أمن كوردستان سوريا.

اليوم، لم يتبق لقسد سوى الجزيرة وكوباني، واستمرار السياسات نفسها يعني تعريض ما تبقى للمصير ذاته.

إذا كانت الحكومة الانتقالية ترى فعلا في الكورد شركاء في هذا الوطن، ومكونا سوريا أصيلا يتمتع بحقوق متساوية كبقية السوريين، فعليها أن تتعلم من تجربة نظام الأسد. ذلك النظام سقط لأنه حارب شعبه، وقمع مكوناته، وتعامل مع المطالب السياسية على أنها تهديدات أمنية. الممارسات الحالية للسلطة الانتقالية، كما تظهر في الأشرفية والشيخ مقصود، لا تعكس اختلافًا جوهريًا عن هذا النهج، بل توحي باستمراره بصيغة جديدة. الاستمرار في هذه السياسات، واستخدام القوة العسكرية بدل الحوار، لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وفتح الباب أمام صراعات أشد خطورة. الطريق الوحيد لتجنب ذلك هو التخلي عن منطق القمع، والتوجه نحو حل سلمي حقيقي يقوم على الحوار الجاد، والاعتراف الكامل بحقوق جميع المكونات الدينية والقومية في سوريا، لأن مصير نظام الأسد لا يزال ماثلا أمام الجميع، ومن لا يتعظ بالتجربة مهدد بتكرار نهايتها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…