حيّان كورديان أمام إرهاب دولتين

ريبر هبون

تشهد مقاومة الأهالي في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ضراوة غير مسبوقة، أمام تصاعد وتيرة الهجمات التي تشنّها الفصائل المتشددة المدعومة تركيًا والمحسوبة على وزارة الدفاع السورية، بوصف ذلك بداية لمرحلة جديدة ترسم حدودها بوضوح بين الكورد، الممثلين بمشروعهم المتمايز، وبين مشروع الفكر الجهادي الذي ما إن يتوافق مع الخارج، وهذه المرة إسرائيل، حتى يبدأ عملية جديدة بغية إحكام سطوته على المناطق الخارجة عن سيطرته. وقد فعلها سابقًا في الساحل وكذلك في السويداء، كجزء من استراتيجية التمكين، لإشغال أنصاره بموضوع آخر، ولإبعاد الأنظار عن تلك الاتفاقات المفضية إلى تقديم تنازلات غير مشروطة لإسرائيل.

يعيد ذلك إلى أذهاننا هجمات النازيين الألمان على الأحياء اليهودية في مدينة وارسو في بولونيا سنة 1943؛ فأهالي الحيّين الكورديين في حلب يتعرضون، ومنذ أكثر من عقد، لهجمات متعددة، سواء من النظام السوري البائد أو من المعارضة المتطرفة، التي تواصل اليوم محاولاتها للسيطرة على الحيّين وكسر إرادة الأهالي هناك، لا سيما وأنها باتت اليوم حكومة مشروعة دوليًا ومدعومة إقليميًا من تركيا والسعودية وقطر. كل ذلك يضعنا أمام تساؤلات: ما دلالة هذا الهجوم التصعيدي في هذا التوقيت؟

إن هذه المقاومة جعلت السلطة، وللمرة الثالثة بعد انتهاكاتها في الساحل والسويداء، محط أنظار الحكومات التي شرعنتها، إذ يضعها ذلك في موقف حرج، فالأمر يستنزف الحكومة الجهادية سياسيًا، ويجعل من ندّها، المتمثل بالإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، يرفع سقف مطالبه، ما يزيد من حالة الاستعصاء والتعقيد، ولا سيما في توقيت حساس يتميز بارتفاع وتيرة الاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة الإيرانية، ويُسرّع بلا شك من نشوء حراك جماهيري احتجاجي ضد حكومة العدالة والتنمية. الأمر الذي يجعل من الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على استثمار هذا المحيط الشرق أوسطي المتأزم، وإيجاد نفوذها القائم على أنقاض قوى تستنزف بعضها بعضًا.

لقد أرادت تركيا، من خلال دعمها الاستخباري والإعلامي وحتى العسكري غير المباشر، أن تلوي ذراع قوات سوريا الديمقراطية، لاعتقادها أن الكورد اليوم في موقف ضعف. ولربما استطاعت حكومة الجولاني هنا أن تشتري صمت بعض الأطراف الدولية النافذة للإقدام على هذه العملية، كونها اليوم تقدّم، ومن خلال بيادقها من الفصائل التابعة لها، وأعني هنا العمشات والحمزات، على الحسم السريع بمختلف الأسلحة والطرق. إلا أن رهان المقاومة الشعبية، وعدم تحقق الحسم السريع، سيجعل الملف يخرج من يد الحكومة وتركيا ويتم تدويله. وهنا يمكن القول إن الأزمة السورية ستدخل مجددًا في حالة تدويل، وأن آفاق الحل مستبعدة على المدى غير المنظور.

إن قرار الأسايش بالمقاومة حتى الرمق الأخير يُعد استنتاجًا ذكيًا للواقع السياسي، وهو ناتج أيضًا عن خبرتها وفهمها لعقلية تلك الفصائل الجهادية التي تهدف إلى إبادة سكان الحيّين وإخضاعهم. لذلك، لن يتوقف هذا التصعيد وهذه المقاومة ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل أو هدنة فعّالة. إن الدور الإيجابي للقنوات الإعلامية الكوردية في إيصال معاناة المدنيين والنازحين يُعد عامل مقاومة فاعلًا، إلى جانب الحراك الصاعد للكورد وأصدقائهم في الخارج، وتواصلهم مع المنظمات المدنية والحقوقية، ما أفضى إلى بعض التصريحات الخجولة من الاتحاد الأوروبي ومن الرئيس الأمريكي ترامب، وقبلها التصريح الإسرائيلي الذي لا يتجاوز التنديد، كون حلب بعيدة عنها جغرافيًا، إذ لا يمكن تقديم أي دعم آخر خارج التنديد بأفعال الحكومة الجهادية.

إذًا يمكن القول إن الاتفاق السوري–الإسرائيلي كان مقابل غضّ الطرف عن عملية محدودة هدفها إخراج حيّي الشيخ مقصود والأشرفية من سيطرة الكورد، وكذلك إخراج الكورد كشعب من حلب، وهو ما يُعد جزءًا من مسلسل النزوح الذي لم ينتهِ لأهالي عفرين والشهباء، الذين حطّ بهم الرحال في هذين الحيّين.

يمكن هنا أن نستخلص نتيجة مفادها أن عدم الحسم العسكري، وبراعة المقاتلين الكورد في حرب العصابات، وكذلك إعدادهم المسبق لمثل هذه المعركة، يضع الحكومة وأفعالها أمام الرأي العام المحلي والدولي. فهي اليوم لا تجرؤ على دخول الأحياء ما لم تُصعّد من وتيرة القصف المدفعي العنيف المدعوم بالطائرات المسيّرة التركية. إذ تقوم حاليًا بإحكام الحصار من مختلف الجهات على حي الشيخ مقصود بعد سيطرتها على الأشرفية، وتحاول الوصول إلى مرتفعات الحي، لكنها تُقابل بمقاومة عنيفة.

إن عدم الحسم السريع سيجعل الملف قيد التدويل، وسيُحرج ذلك تركيا ويجعلها تغلي داخليًا، بالتوازي مع الحراك الشعبي في إيران وشرقي كوردستان. كما أن تزامن ذلك مع الحراك الإنساني والإعلامي، وتغطيته للكوارث الإنسانية المتمخضة عن هذه الحرب، سيجعل كلفتها باهظة على الحكومة.

لذلك فإن سيناريو عدم الحسم هو الأقرب ترجيحًا وفقًا لهذه المعطيات. وهنا يمكن فهم هذه المقاومة الشعبية بوصفها مقاومة منظمة تحظى بتأييد كوردستاني منقطع النظير، الأمر الذي يجعلنا ندرك أن سوريا تتجه نحو أزمة معقدة ستتولد عنها أزمات أخرى، لا تنحصر في جغرافيا محدودة، بل ستعيد الأمور إلى المربع الأول.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…