من دفتر يومياتي.. من بلغراد الى قصر الشيخ تاج وسجن القلعة

صلاح بدرالدين

  في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد  ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى )  بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا عطار – عبر استانبول – أضنة – ، ومن هناك بالطائرة الى – بيروت – ثم برا وعبر طريق – المصنع – دمشق – الى سوريا ، مع العلم ان – جلال الطالباني – حضر يمثل الكتلة المنشقة عن الثورة والحزب في كردستان العراق ، وكانت الجمعية تحت سيطرتهم ولكن في هذا المؤتمر أعاد الكرد السوريين الأعضاء وكانوا الغالبية النظر في موقفهم بعد الاستماع الى كلمتي التي اغاظت المرحوم الطالباني كثيرا .

  كنت احمل جواز سفر سوري مزور بطريقة غير محكمة بدائية ، وفي الجانب السوري من الحدود تم اعتقالي ، وارسالي الى مركز الاعتقال لدى شرطة العاصمة ، ومن هناك وبعد يومين من الانتقال من فرع امني الى آخر انتهى بي المطاف بمعتقل ( قصر الشيخ تاج بالحلبوني ) وهو مركز للتحقيق يمارس فيه شتى أنواع التعذيب تجاه ( النزلاء ) وكنا نحو ١٢ شخص في المهجع من سوريين وبيننا رجل دين مسيحي ، وفلسطيني واحد  ، ولبنانيين اثنين ، رجل الدين الذي اصبحنا صديقين مقربين اسرلي ان تهمته انه اضعف معنويات الجيش السوري لانه شاهد وهو بالباص جنودا هاربين من الجبهة بحرب حزيران  وتاثر وقال ( الان جاؤوا حفاة ارجو ان لاياتوا مستقبلا عراة ) ثم سمع الجابي ماقاله ورفع فيه تقريرا ، وفي احد الأيام وكان هو واقفا امام نافذة المهجع وشاهد ابنته المحامية وهي تدخل غرفة مدير المركز وكان ضابطا برتبة رائد ، ولم يتمالك بل بدأ بالبكاء ، وحاولت التخفيف عنه فرد : يصعب علي هذا المشهد فهؤلاء المسؤولون لايخافون الله .

  اما الفلسطيني فكان اسمه – عماد شقور – من حيفا ، واعتقل عندما كان يجتاز الحدود متوجها الى سوريا ، واتهم بانه ( عميل إسرائيلي ) وتعرض لتعذيب شديد كانت آثاره واضحة على وجهه ، بعد نحو ١٥ عام يشاء القدر ان التقي به بتونس في مكتب منظمة التحرير الفلسطينية ، وهو تعرف علي بالاول ثم علمت انه مستشار الرئيس الراحل ياسر عرفات للشؤون الاسرائلية ، وبقينا على تواصل مستمر بعلاقات صداقة واحترام .

  مكثت شهرا بضيافة ( قصر الشيخ تاج ) من دون ان يستطيعوا النيل مني رغم أنواع التعذيب ، وفي احد الأيام زار المركز – عبد الكريم الجندي – وكان مسؤول الامن القومي – عضو القيادة القطرية  ومحسوبا على مجموعة – صلاح جديد – ( اليسارية ) وبدأ يسال كل واحد من الموقوفين عن أسباب الاعتقال ولم ينجو احد من الشتائم والاهانة ، عندما سالني عن – تهمتي – اجبت ” القضية الكردية ” فالتفت وسالني : تريد إقامة دولة كردية ؟ فلم اجب ، وأجاب هو ” معكم حق ياابني ” ونجوت من حفلة الشتيمة ، طبعا وقتها استغربت عن ماجرى ولكن علمت بعد خروجي من السجن ان الجندي وبقرار من مجموعته خلال الصراع مع حافظ الأسد تواصل مع الزعيم الراحل مصطفى بارزاني بغية إقامة علاقات سياسية .

  بعد شهر احالوني الى محكمة امن الدولة العليا وكان مجرد ذكر اسم هذه المحكمة يثير الرعب لان قرارتها ليست خاضعة لا للتميز ، ولا للاستئناف ، ولاتعقد الا في حالات نادرة ، وكانت المرة الأولى يحال فيها السياسييون الكرد الى هذه المحكمة ، فبت ليلة في مركز التوقيف لدى الشرطة العسكرية من دون التمكن من النوم بسبب قذارة المكان ، وفي الصباح تم نقلي الى المحكمة وكانت في بناية البرلمان السوري السابق ، والى مكتب المدعي العام ( علي عبدو الظاهر ) وشاهدت نحو ثلاثة اشخاص جالسون في مكتبه كانهم ينتظرورني وبينهم قائد الجيش الشعبي ( محمد إبراهيم العلي ،  الذي عرفته لان صوره كانت تنشر بالصحافة ، والآخران لم اعرفهما واغلب الظن كانوا مسؤولين او ضباط امن .

  بدأ المدعي العام باستجوابي وكان غبيا لايفقه شيئا ، مثلا بدأ بان اسم حزبكم ( البارتي ) ويعني تشكيل دولة كردية والانفصال عن سوريا ، واقتطاع جزء من ارض الوطن ، فاجبته : البارتي كلمة اصلها لاتينية وتعني في عداد ماتعنيه – الحزب – فلاحظت الاستغراب بوجوه الحاضرين ، المهم بالاخير قرر التهمة اقتطاع جزء من سوريا ، واثارة النعرات العنصرية ، واحالتي الى محكمة امن الدولة العليا ، ثم اقتادوني في سيارة شرطة الى سجن القلعة ، وبمحض الصدفة كان واحد من أربعة من رجال الشرطة في السيارة من رفاق الحزب وهو بالخدمة الاجبارية ومنسوب للشرطة ، وكنت اعرفه حيث بت في منزله بحي الهلالية  أسبوعا خلال الملاحقة ، لم اعرفه بل لاحظت انه يركز علي ويبحث عن فرصة للتحدث الي بغفلة من زملائه ، وعند النزول سالني بالكردية هل انت الرفيق صلاح ؟ فاومأت اليه بنعم ، فقال متغير كتير ، وفي اول يوم جمعة خلال المقابلات رايته امام باب المهجع وتحدث الي مطولا وقال انه بذل جهدا حتى سجل نفسه يوم المقابلات ، وشرح لي الوضع ، وقال منذ اكثر من شهر لانعرف عن مصيرك شيئا والرفاق قلقون والبارحة اخبرتهم .

  كنت في الغرفة رقم ١٤ بسجن القلعة ووجدت فيها سجناء من تيارات سياسية مختلفة مثلا – خالد الجندي – رئيس نقابات عمال سوريا ونائبه – حسين رزق – وهو من عائلة البرازي بحماة ، وشبان آخرون من حزب التحرير الإسلامي معظمهم من حماة ، إضافة الى مجموعة من تجار دمشق ، وكان الجميع متفقون على تنظيم شؤون الغرفة ونظافتها ، بعد التعارف استقبلني – الجندي – بحفاوة وابدى تضامنه مع حقوق الشعب الكردي وكان ماركسيا يكره حافظ الأسد وحزب البعث رغم انه محسوب على النظام ولذلك سجنه الأسد ، بعد السجن التقينا كثيرا بألمانيا الديموقراطية ثم تونس حيث طلبت من الراحل ياسر عرفات بمساعدته ، ثم جلبه الى تونس معززا ، وبعد انتقال القيادة الفلسطينية الى الوطن ، ذهب الجندي وزوجته الى غزة واستقر هناك حتى وافته المنية .

  التقيت أيضا بالسجن مع رئيس جمعيات الفلاحين بالجزيرة – اسود الكنو – وتعارفنا فاخبرني مرة انكم دوختم السلطة ، وكنتم تعقدون الندوات حول مخطط الحزام العربي ، وتاتينا الأوامر بان نرد عليكم أيضا عبر الندوات ( ولكن ماكانت تترقع ) ، كما التقيت بمدير دائرة الإصلاح الزراعي بالحسكة وكان من اهل الساحل من بلدة – سحلب – ، واخبرني أيضا بفساد المحافظ – محمد حيدر – المقرب من ال الأسد ، واعترف بمظلومية الكرد .

  بعد اشهر اخذوني الى محكمة امن الدولة العليا اب ١٩٦٩ ، ووجدت المرحوم آبوا وصمان صبري امامي ، وحضر بعض الجلسات بعض رفاق الحزب وكنا دفعة من المتهمين ، حضوريا كنا اثنين ، وغيابيا كان ، المرحوم – محمد نيو – ومحمد حسن مصطي  – وعبد الهادي عبد اللطيف ، وحكمنا آبوا وصمان وانا بعامين  ، ولن انسى ان مجموعة محامين من الحزب الشيوعي السوري تطوعوا للدفاع عنا وبينهم عضو القيادة – صليبا – وكان لنا محامي خاص – حكمت تركماني .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…

أمل حسن عندما نتحدث عن الشعب الكردي، ونعود بذاكرتنا إلى تاريخه المليء بالمقاومة والصمود، تتجلى أمامنا بصمة البارزاني في كل مرحلة من مراحل النضال، رغم قسوة الزمن وتراكم الظلم والاستبداد الذي مورس بحق شعب حُرم طويلًا من الهوية والوجود. لقد قاد البارزاني الأب، ومن بعده البارزاني الابن، الثورات الكردية في جنوب كوردستان بكرامة وشرف، ثوراتٍ لم تُبنَ على انتهاك حقوق…