أمل حسن
عندما نتحدث عن الشعب الكردي، ونعود بذاكرتنا إلى تاريخه المليء بالمقاومة والصمود، تتجلى أمامنا بصمة البارزاني في كل مرحلة من مراحل النضال، رغم قسوة الزمن وتراكم الظلم والاستبداد الذي مورس بحق شعب حُرم طويلًا من الهوية والوجود.
لقد قاد البارزاني الأب، ومن بعده البارزاني الابن، الثورات الكردية في جنوب كوردستان بكرامة وشرف، ثوراتٍ لم تُبنَ على انتهاك حقوق الآخرين، لا الحجر ولا الشجر ولا البشر. كانت ثوراتٍ تنطلق من حضن الجبال، بعيدة عن المدنيين العزّل، دون أن تتخذ من الأبرياء دروعًا أو ذرائع. هكذا صاغ البارزاني مدرسة نضال أخلاقية نادرة في تاريخ الثورات.
ورغم الخيبات والانكسارات، كما الانتصارات، واصل مسعود بارزاني مسيرته حتى يومنا هذا، مستندًا إلى إرادته الصلبة وإرادة شعبٍ آمن بالصبر، وجعل من الإرادة قوة تولد من رماد الإبادة، ومن صرخات الأمهات اللواتي دُفن أبناؤهن أحياء في الصحارى، ومن دموع الأطفال الكرد. من هذا الألم استمد البارزاني قوته، حين لم يجد من يعترف بحقوق شعبه أو يمد له يد الدعم.
ومن أشد اللحظات قسوةً في مسيرته، كان اعتقال وإعدام الشهيدة ليلى قاسم، أول فتاة كردية تقع في قبضة الأعداء بلا رحمة. كان إعدامها بمثابة طعنة في قلب الثورة، وكأن الموت حلّ بالبارزاني نفسه، لكنه – كما يفعل العظماء – حوّل الألم إلى طاقة، والجراح إلى عزيمة. فالضربة التي لا تقتلك، تزيدك قوة.
سار البارزاني يومًا بعد يوم، بندقيته لم تهدأ دفاعًا عن شعبه، وصوته لم يصمت مطالبًا بحقوقه، حتى وصل إلى هذا الزمن المليء بالمحطات المفصلية، دون أن يفقد إنسانيته حتى تجاه أعدائه. بقي رجل الرحمة والسلام، رغم محاولات كسره المتكررة.
وسيظل ألم الاستفتاء خالدًا في الذاكرة الكردية، كما ستبقى دموع مسعود بارزاني حاضرة في وجدان الشعب. لم تكن دموع ضعف، بل دموع رحمة وألم وحكمة، استمد منها الشعب القوة والإرادة، وجعل منها ذكرى خالدة وقرارًا تاريخيًا صائبًا اتخذه حكيم الأمة الكردية.
ونقول عنه حكيمًا، لأنه لم يكن رئيسًا فقط، بل زعيمًا وقائدًا إنسانيًا فتح صدره وأرضه حتى لمن أرادوا محو شعبه من الوجود. بهذه الأخلاق كبر البارزاني في أعين أعدائه قبل أصدقائه، وفي نظر العالم كله. وبفضل سياسته الحكيمة واتصالاته الدبلوماسية المستمرة، وصلت القضية الكردية إلى مختلف أنحاء العالم، مدافعًا عن الأمن والسلام والحقوق والهوية في أجزاء كوردستان الأربعة.
إنه رجل بأمة، وأمة برجل. ما إن يُذكر اسمه حتى تطمئن القلوب، ويشعر الشعب بالأمان والسلام. وتُعد مؤسسة البارزاني الخيرية شاهدًا حيًا على هذه الروح الإنسانية، بأعمالها وأياديها البيضاء التي تمتد إلى الجميع، وغرب كوردستان خير مثال على ذلك. وهي تسير على نهج القائد الخالد مصطفى بارزاني:
«فخرٌ للإنسان أن يعمل في خدمة شعبه».
مسعود بارزاني ينطلق نحو الإنسانية بلا حدود، ويسير بخطوات ثابتة نحو السلام بلا حدود.
ليس للشعب الكردي مأوى إلا البارزاني، وليس للعالم رجل يحمل غصن الزيتون على جناح حمامة السلام سوى مسعود بارزاني. كان وسيبقى رجل السلام، يسير على درب الحرية دون أن يمل أو ينكسر، لأن السلام كان دائمًا منبع ثوراته وعنوانها.
وفي ختام هذه المسيرة، لا بد من القول إن ما يمتلكه مسعود بارزاني من قوةٍ متجذّرة في الإيمان، وروحٍ مشبعة بالسلام، جعلته محط اهتمام الحكماء ورؤساء الدول والسياسيين والباحثين والكتّاب والشعراء في مختلف أنحاء العالم. فالكلمة التي تصدر عنه لا تمرّ عابرة، والبيان الذي يعلنه يُقرأ بتمعّن، لأن الجميع يدرك أن ما يصدر عن البارزاني لا يحمل سوى رسالة السلام. فهو رجلٌ لم يعرف السلام يومًا بسهولة، لأنه أكثر من ذاق مرارة غيابه، ودفع ثمن فقدانه من دم شعبه وآلامه.
لم يكن السلام لدى البارزاني شعارًا سياسيًا، بل قدرًا اختاره بوعي، وخيارًا تشكّل من تاريخٍ طويل من النضال والتضحيات. ولهذا اكتسب احترام العالم وثقته، لأنه لا يتحدث باسم حزب أو مرحلة، بل باسم جميع الكرد، وكل الكوردستانيين، حاملًا همّ وطنٍ واحد وقضية أمةٍ كاملة. وهكذا سيبقى مسعود بارزاني، كما كان دائمًا، رجل السلام الذي خرج من قلب المعاناة ليجعل من السلام عنوانًا لنضاله، ومن الحكمة طريقًا لا يحيد عنه.