كفى، الشعوب الإيرانية لم تعد تتحمل النظام الإيراني الرجعي!

ادريس عمر
منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ نظام يقوم على القمع، وتقييد الحريات، وفرض قوانين صارمة حوّلت حياة الإيرانيين إلى سلسلة متواصلة من المعاناة.
على مدى أكثر من أربعة عقود، عانى الشعب الإيراني من الاضطهاد السياسي، وتكميم الأفواه، وملاحقة المعارضين، والتضييق الاجتماعي والثقافي، فضلاً عن التمييز ضد القوميات غير الفارسية. وباسم “حماية الثورة” و“الولاية”، جرى إقصاء الشعب عن المشاركة الحقيقية في تقرير مصيره، بينما احتكر رجال الدين والمؤسسات الأمنية القرار السياسي والاقتصادي.
ولم يكتفِ النظام الإيراني بقمع شعبه في الداخل، بل اتجه إلى تصدير أزماته إلى الخارج تحت شعار “تصدير الثورة”. فتدخل في شؤون دول المنطقة، وبنى ميليشيات مسلّحة عابرة للحدود في إيران والعراق واليمن ولبنان وغيرها، ما ساهم في زعزعة أمن المنطقة واستقرارها. وبحجة دعم القضية الفلسطينية، ضخّ أموالاً وسلاحاً لقوى راديكالية، ورفع شعارات كبرى مثل “تحرير القدس” و“إزالة إسرائيل من الخريطة”، بينما كان المواطن الإيراني يرزح تحت الفقر والبطالة وتدهور الخدمات.
أحداث ما بعد السابع من أكتوبر وما تبعها من تصعيد عسكري في المنطقة كشفت هشاشة هذا المشروع. فقد تلقّت إيران ضربات موجعة طالت برنامجها النووي ومنظومة صواريخها وبُناها العسكرية، ما أدى إلى تراجع كبير في طموحاتها النووية لسنوات. ومع تفاقم العقوبات، وتدهور الوضع الاقتصادي، وانتشار الجفاف، وارتفاع معدلات التضخم، ازدادت نقمة الشارع الإيراني على نظامٍ يبدّد ثروات البلاد على المغامرات العسكرية بدلاً من تحسين حياة مواطنيه.
اليوم، تشهد مدن إيرانية عديدة موجات احتجاج واسعة، يشارك فيها شبّان ونساء وعمّال وطلبة، وبرفع شعار ” لا غزة ولا لبنان فلتكن حياتي فداءً لإيران” ما يعكس غضب الشعب المتزايد تجاه سياسة ايران الخارجية، وتطالب بوضع حد لسياسات القمع والتدخل الخارجي. هذه الاحتجاجات ليست حدثاً عابراً، بل تعبيراً عن تراكم غضب شعبي طويل، وعن وعي متزايد بأن كلفة استمرار هذا النهج أصبحت لا تُحتمل.
لقد أنفق النظام الإيراني مليارات الدولارات على التسلّح ودعم الميليشيات، سعياً ليصبح قوة إقليمية ويفرض أيديولوجيته على شعوب المنطقة، وليصل إلى عتبة الدولة النووية. لكنه تجاهل حقيقة أساسية: لا قوة حقيقية من دون شعب حرّ ومزدهر. فبينما كان يسعى لأخذ “حصة الأسد” في الإقليم، كانت الرياح تجري بما لا تشتهي سفنه، وتتكشّف حدود مشروعه أمام الضغوط الدولية والرفض الإقليمي.
إنّ ما يطالب به الإيرانيون اليوم ليس ترفاً سياسياً، بل حقّاً طبيعياً في الحرية والكرامة والعيش الكريم. لقد حان الوقت لأن يقرّر الشعب الإيراني، بكل قومياته وأطيافه، مصيره بنفسه، بعيداً عن نظامٍ استباح القيم، وبدّد الثروات، وراهن على المغامرات الخارجية على حساب مستقبل أبنائه. فإرادة الشعوب، مهما طال قمعها، لا بدّ أن تنتصر.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…