حلب على حافة الانفجار: معركة الوجود الكردي قبل فوات الأوان

صلاح عمر

ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن زمن الدخول السهل قد انتهى، وأن الرد هذه المرة لن يكون ارتجاليًا ولا دفاعًا هشًا، بل تصديًا حاسمًا وقويًا، تُبنى فيه المعركة على وعي وتجربة واستعداد.

قوات سوريا الديمقراطية لا تتعامل مع اللحظة بعاطفة أو انفعال، بل تُقيّم الوضع العسكري والأمني بدقة عالية، والاستنفار قائم في جميع المحاور، لا بوصفه رد فعل طارئ، بل كجزء من استعداد شامل لأسوأ السيناريوهات. إلى جانب ذلك، تتابع القوى السياسية والأمنية الكردستانية المشهد لحظة بلحظة، مدركة أن ما يجري ليس معركة أحياء، بل اختبار وجودي جديد يُراد فرضه على الكرد في سوريا.

المعطيات على الأرض لا تقف عند هذا الحد. الولايات المتحدة، والتحالف الدولي، وفرنسا، جميعهم على الخط، يراقبون، يضغطون، ويدركون أن انفجار الوضع في حلب لن يبقى محليا، بل سيتحوّل إلى كرة نار إقليمية يصعب التحكم بمسارها. وليس تفصيلًا عابرًا وصول قيادات عسكرية وأمنية كردستانية من الصفين الأول والثاني، أصحاب تاريخ طويل في إدارة المعارك والملفات الثقيلة، إلى روج آفا. هذه رسالة واضحة: الاستعداد ليس شكليًا، والقرار ليس مرتجلًا.

كل الاحتمالات باتت مطروحة على الطاولة. فتح محاور باتجاه الباب وحلب ليس سيناريو خياليًا، بل خيارًا واقعيًا إذا فُرضت المواجهة. وتجارب 2012 و2013 ليست بعيدة عن الذاكرة، حين قلبت الإرادة والجاهزية موازين كان يُعتقد أنها محسومة. وإذا استمر الهجوم على الكرد، فإن تجربة سري كانيه 2013 قد تعود إلى الواجهة، لا بوصفها ذكرى، بل كنموذج لمعادلة الردع عندما تُكسر الخطوط الحمراء.

الأخطر من ذلك أن أي تدخل تركي مباشر لن يبقى في إطاره الضيق. دخول تركيا يعني تلقائيًا دخول أطراف أخرى، إقليمية ودولية، ما يخلق توازنًا جديدًا لا يخدم مشاريع أنقرة ولا حسابات دمشق. المنطقة تقف اليوم على حافة توازن هش، وأي مغامرة غير محسوبة قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.

نحن أمام لحظة لا تحتمل التهوين ولا التهويل، بل الوضوح. ما يُخطط له هو كسر ما تبقى من إرادة كردية في حلب، وما يُحضّر له في المقابل هو دفاع عن الوجود، لا عن حيّ ولا عن شارع. هذه ليست معركة تبحث عن بطولة، بل ضرورة تفرضها الوقائع. ومن يعتقد أن الكرد سيُؤخذون هذه المرة على حين غفلة، لم يتعلم شيئًا من دروس العقد الأخير. هنا، حيث تُختبر الإرادات، يُكتب الفصل الأصعب… لكن أيضًا الفصل الذي قد يعيد رسم المعادلة من جديد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…

د. محمود عباس من كوردستان في ذاكرة الطفل إلى كوردستان في عتمة السياسة طوال قرن كامل، جرّب الحراك الكوردستاني تقريبًا كل لغة سياسية ممكنة لإقناع الدول التي اقتسمت كوردستان بأن الشعب الكوردي ليس ضيفًا على أرضه، ولا أقل شأنًا من الشعوب التي أُنشئت لها دول وحدود وحكومات. تحدّث الكورد عن الأخوّة، والمواطنة، والوطنية المشتركة، والديمقراطية، واللامركزية، والفيدرالية، وتقاسم السلطة، وبناء…