شـــريف علي
لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة الهجوم المعزز بالاسلحة الثقيلة والدعم التركي المباشر، أظهرت الأحياء الكوردية في الأشرفية والشيخ مقصود قدرة لافتة على الصمود، حيث تصدى الأهالي وقوى الأمن الداخلي (الأسايش) لمحاولات التقدم، ما حوّل الهجوم من محاولة فرض سيطرة إلى اختبار حقيقي لإرادة المجتمع الكوردي في المدينة.
فالهجوم على الأحياء الكوردية في حلب لم يكن حادثاً عابراً، بل محاولة لإعادة رسم ميزان السيطرة داخل المدينة، ورسالة غير مباشرة إلى القوى الكوردية السياسية والعسكرية في سوريا، وإظهار قدرة النظام على إخضاع من يشاء. لكن الرد الذي جاء من بارزاني، وبشكل أسرع مما كان متوقعاً، حمل معنى مختلفاً: أن زمن استفراد أي طرف بالكورد قد انتهى، وأن أي اعتداء على المدنيين الكورد سيُقرأ كاعتداء على الوجود القومي كله، من حلب إلى حيث يوجد الكوردي.
رسالة بارزاني لم تكن دفاعاً عن حي أو شارع، بل تثبيتاً لمعادلة جديدة-الوجود الكوردي في سوريا خط أحمر. وأي محاولة لفرض السيطرة بالقوة ستواجه برد سياسي وإعلامي وقومي واسع. الرسالة حملت بعداً نفسياً مهماً للكورد في سوريا، الذين يعيشون منذ سنوات بين مطرقة النظام وسندان القوى الإقليمية. جاءت لتقول لهم إنهم ليسوا وحدهم، وإن هناك من يقف معهم في لحظة تتغير فيها الخرائط وتُعاد صياغة موازين القوى.
ولم تبقَ الرسالة منفردة. فقد تبعتها مواقف متوازية من القيادة الكوردستانية في الإقليم، حيث أصدر رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني بياناً أكد فيه أن استهداف المدنيين الكورد أمر غير مقبول، وأن على دمشق أن تدرك أن التعامل مع المكونات السورية بمنطق القوة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانفجار. وجاء موقف رئيس الحكومة مسرور بارزاني أكثر وضوحاً، حين شدد على أن حكومة الإقليم لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لإضعاف الوجود الكوردي في سوريا، وأن ما يجري في حلب ليس شأناً محلياً بل تهديداً للاستقرار الإقليمي. أما رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بافل طالباني، فقد أكد بدوره أن استهداف المدنيين خط أحمر، داعياً إلى وقف التصعيد فوراً.
هذا التزامن في المواقف بين القوى الكوردستانية، رغم اختلاف مدارسها السياسية، يعكس إدراكاً جماعياً بأن ما يجري في حلب ليس حدثاً عابراً، بل جزءاً من محاولة أوسع لإعادة هندسة الوجود الكوردي في سوريا.
هذه الرسائل لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي المتوتر. فإيران تعيش واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ عقود، مع تصاعد الاحتجاجات الداخلية وتراجع قدرة النظام على ضبط الشارع. وفي الوقت نفسه، ترتفع حدة التهديدات الإسرائيلية والأمريكية بضرب مواقع داخل إيران، وسط حديث متزايد عن اقتراب مواجهة قد تمتد من الخليج إلى المتوسط. وفي مثل هذا المناخ، يصبح أي تصعيد في سوريا جزءاً من لوحة أكبر، حيث تتحرك القوى الإقليمية لإعادة تثبيت مواقعها قبل أي انفجار محتمل.
إن التحذير الذي حملته رسالة الرئيس بارزاني، ورسائل القيادات الكوردستانية، ليس موجهاً لدمشق وحدها، بل لكل الأطراف التي تعتقد أن الكورد يمكن أن يكونوا الحلقة الأضعف في معادلة إقليمية تتجه نحو انفجار واسع قد يشمل العراق وسوريا ولبنان وغزة. وفي ظل هذا المشهد، فإن أي استهداف للمدنيين الكورد لن يكون مجرد حدث محلي، بل شرارة إضافية في برميل بارود ينتظر من يشعله.
إن ما يجري في حلب اليوم هو اختبار لإرادة الوجود، واختبار لوحدة الموقف الكوردي، واختبار لقدرة القوى الإقليمية على إدراك أن المنطقة تقف على حافة انفجار. وإذا كانت حكومة دمشق تحاول تغطية صفقة الجولة الخامسة مع إسرائيل التي تمت في باريس بافتعال العدوان على المدنيين الكورد في الأشرفية والشيخ مقصود، أو تعتقد أن بإمكانها استغلال انشغال العالم بالأزمة الإيرانية لتغيير موازين القوى في الشمال السوري، فإن الرسائل الكوردستانية جاءت لتقول إن هذا الحساب خاطئ، وإن الكورد لن يسمحوا بأن يكونوا ضحية صراع إقليمي يتصاعد كل يوم.
وأي محاولة لاستهدافهم ستواجه برد سياسي وقومي يتجاوز حدود الجغرافيا. فالمنطقة كلها تقف على حافة مواجهة قد تغيّر شكل الشرق الأوسط، والكورد يعلنون بوضوح أنهم لن يكونوا الحلقة الأضعف في هذه اللحظة التاريخية. لقد قالوا كلمتهم: لن نُعاد إلى الهامش، ولن نسمح بأن يُعاد رسم وجودنا تحت ضغط السلاح أو حسابات الآخرين. وفي لحظة إقليمية مشتعلة، فإن تجاهل هذه الرسائل قد يجعل الغد أكثر خطراً على الجميع.
9 يناير 2026