محمد زنكنة لـ«ولاتي مه»: استحقاق رئاسة الجمهورية تحول إلى ورقة ضغط سياسية؟

ملف « ولاتي مه » حول انتخاب رئيس جمهورية العراق (3)

ضمن ملفه الخاص حول انتخاب رئيس جمهورية العراق، يواصل موقع «ولاتي مه» تناول الإشكاليات السياسية الكردية المرتبطة بهذا الاستحقاق الدستوري، في ظل الانقسام الداخلي وتداخل التوازنات العراقية الأوسع، وانعكاس ذلك على موقع الكورد ودورهم في بغداد.

وفي هذه الحلقة، يقدم الإعلامي والمحلل السياسي الأستاذ محمد زنكنة قراءة تحليلية موسعة بصيغة مقال، يتناول فيها جذور الخلاف بين الحزبين الكرديين الرئيسيين حول منصب رئاسة الجمهورية، مسلطا الضوء على الدور الذي يلعبه الاتحاد الوطني الكردستاني عبر الاستقواء بالقوى الشيعية في بغداد، بهدف إضعاف موقع الحزب الديمقراطي الكردستاني والاستحواذ على هذا المنصب خارج إطار الإجماع الكردي.

ويرى زنكنة أن هذا المسار أتاح للقوى الشيعية استغلال الانقسام الكردي لتقليص الدور الدستوري لرئيس الجمهورية، وتحويل المنصب إلى موقع هامشي يخضع للإملاءات السياسية، بدلا من أن يكون أداة فاعلة في حماية الدستور وضمان الحقوق الدستورية لإقليم كردستان.

وفي المقابل، يبرز المقال الثقل السياسي والانتخابي للحزب الديمقراطي الكردستاني، ودوره الحاسم في إفشال عدد من المخططات السياسية، سواء في محاولات التأثير على مسار انتخابات برلمان إقليم كردستان، أو في السعي للالتفاف على استحقاق منصب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب العراقي، حيث فرض البارتي حضوره باعتباره رقما صعبا في المعادلة السياسية، لا يمكن تجاوز إرادته أو تمرير المشاريع الكبرى دون موافقته.

ويخلص المقال إلى أن الدور السلبي الذي ينتهجه الاتحاد الوطني الكردستاني، والقائم على الارتهان للقوى الميليشيوية، مرشح للزوال مع أولى الضربات الأميركية الموجهة لتلك الميليشيات، ليجد الاتحاد نفسه – بحسب التحليل – دون مرجع أو منقذ سياسي حقيقي، سوى العودة إلى الشراكة الكردية، والحزب الديمقراطي الكردستاني، ومقر الرئيس مسعود بارزاني، باعتباره العنوان الأبرز للقرار الكردي الوطني..

==============

رئاسة الجمهورية، خلاف ام مساومة؟

محمد زنكنة

تعود العراقيون على العرف السياسي السائد بعد سقوط نظام صدام، على تقاسم الرئاسات بين المكونات الاساسية الثلاث، الكورد والسنة والشيعة، وذلك لضمان المشاركة الحقيقية في العملية السياسية دون احتكار المناصب لفئة معينة او مكون واحد للاستقواء على بقية المكونات الاخرى، وفي هذا الاطار، حصرت السلطات التنفيذية بيد رئيس الوزراء وهو الحاكم الفعلي والقائد العام للقوات المسلحة، لذلك اصبح هذا المنصب بيد الاغلبية الشيعية، وانيطت رئاسة الجمهورية للكورد، ورئاسة مجلس النواب للعرب السنة، ومنذ اكثر من عشرين عاما، مازال هذا الاتفاق العرفي ساري المفعول، وبعد كل دورة انتخابية، تتجدد الخلافات حول هذا الموضوع بين المكونات وابناء المكون الواحد، ان كان في شخص من يتسلم المنصب او من سيتحكم بالية اختيار وانتخاب هذا الشخص.
وفيما يخص رئاسة الجمهورية، كان الاتفاق الاستراتيجي الموقع بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني، وتحديدا بين الرئيسين مسعود بارزاني وجلال طالباني، هو القوة التي سهلت من الية اختيار وانتخاب رئيس الجمهورية، لكن الاتحاد الوطني وبحجة ان تنظيمات الحزب ارادت ان يمارس الاتحاد عمله السياسي منفردا وبعيدا عن الحزب الديمقراطي، خاض الاتحاد السباق الانتخابي بقائمة مستقلة، مع اصراره على تقاسم المناصب في الاقليم وبغداد مع الديمقراطي مناصفة وتمسكه بمنصب رئاسة الجمهورية، وخصوصا بعد الانتقادات التي وجهت للاتحاد على اثر دوره السلبي في عملية استفتاء استقلال كوردستان وخيانة السادس عشر من اكتوبر في العام 2017.
ومن ذلك الوقت، تحول الخلاف بين الديمقراطي والاتحاد على منصب رئاسة الجمهورية الى محاولة للحفاظ على الثقل السياسي للاتحاد في بغداد بالاستقواء والاعتماد على الاطراف الشيعية التي تشكل الاغلبية السياسية، والحفاظ على الوحدة الكوردية والقرار الكوردستاني الموحد وتوحيد المواقف السياسية برغم وجود الخلافات، من قبل الديمقراطي الكوردستاني، بمعنى، ان الديمقراطي وبالاعتماد على تصريح الرئيس مسعود بارزاني، يؤكد على الاتفاق على شخصية تنال موافقة كافة الاحزاب الكوردستانية، بغض النظر عن انتمائه الحزبي، ان كان من الاتحاد الوطني او الديمقراطي او مستقلا، اذن، الخلاف الكوردي حول هذا الموضوع ينحسر بين محاولات لوي الذراع واثبات الوجود وان كان على حساب القضايا الاساسية، والحفاظ على الثقل الكوردي والموقف الموحد المطلوب لتسيير هذا الموضوع، اي ان نقطة النفوذ في هذا الامر، يتعلق بالثقل السياسي الوحيد المتبقي للاتحاد الوطني في بغداد، والذي لايريد خسارته وان كان على حساب العملية السياسية في اقليم كوردستان.
وبهذا التصرف من قبل الاتحاد الوطني، والذي يقاد اليوم من قبل بافل طالباني، النجل الاكبر لمؤسس الحزب جلال طالباني، فسح المجال للقوى الشيعية للتدخل وبشكل يتعارض تماما مع الاتفاق السياسي حول تقاسم السلطات والرئاسات، لكون الكورد لايتدخلون في اختيارات السنة والشيعة لبقية المناصب.
وقد كان لهذه التدخلات، تاثيرات سلبية كثيرة وغير مستحبة على الوضع السياسي في كوردستان، والعلاقة بين الحزبين الكورديين الرئيسيين، بل وانسحبت تاثيراتها ايضا على الوضع السياسي في اقليم كوردستان، حيث تسببت هذه التدخلات بعرقلة اجراء انتخابات برلمان كوردستان لاكثر من مرة وعن طريق المحكمة الاتحادية، بحل الدورة الرابعة من برلمان كوردستان، وايقاف عمل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في كوردستان، والغاء مقاعد المكونات القومية والدينية في برلمان كوردستان، وخلق حالة من الفراغ التشريعي في الاقليم، بايقاف دور البرلمان وتعطل التشريعات التي تحتاجها حكومة اقليم كوردستان لتنفيذ الخطط والمشاريع التي رسمتها في البرنامج الحكومي للكابينة التاسعة.
ولولا قرار الحزب الديمقراطي الكوردستاني بمقاطعة انتخابات برلمان كوردستان في عام 2024، والاصرار بوجود تمثيل للمكونات القومية والدينية في البرلمان، وفي هذا الظرف، كان الديمقراطي هو الوحيد الذي وقف في وجه جميع الاحزاب السياسية في اقليم كوردستان والعراق، مقاوما ومواجها كافة التدخلات التي كانت تستهدف الديمقراطي وكامل العملية السياسية، بدليل ان مصادر من داخل القوى الشيعية اثبتت بان اطرافا سياسية ارادت ان تتدخل حتى في تحديد مقاعد البرلمان للاحزاب المشاركة في الانتخابات بالتلاعب بالنتائج والدخول الى الصناديق وتحديد النسب والاحجام السياسية والجماهيرية لهذه الاحزاب.
ان هذه التدخلات، عرقلت الكثير من خطط التطور السياسي والتي يسعى اليها الاقليم، لان كل اتفاق او تفاهم يوقع بين الجانبين، يتنصل عنه الاتحاد الوطني وبعد فترة قصيرة من الاعلان عنها، بل حتى التصريحات الاعلامية، تتغير خلال لحظات من قبل الاتحاد الوطني، ليدخل الاخير الى اتفاقيات وتفاهمات سرية مع الاطراف السياسية ذات الطابع الميليشيوي والتي تتحكم بكامل العملة السياسية العراقية، لكن الايجابي هنا، ان هذه الخطط كلها مكشوفة، وان نجحت احيانا في تاخير بعض مايريد الاقليم تحقيقه، لكنها لاتنجح، لان الديمقراطي كان دوما لهم بالمرصاد.
وفي الانتخابات الاخيرة لمجلس النواب العراقي، والتي تحصل فيها الحزب الديمقراطي على اكثر من مليون صوت، تشكلت قناعة راسخة لدى جميع الاحزاب السياسية الكوردستانية والعراقية، بان الديمقراطي هو رقم صعب ولايمكن تمرير اي مشروع مهما كان بسيطا او معقدا، دون موافقته او رضاه، وقد ظهر هذا الامر بكل وضوح، اثناء انتخاب هيئة رئاسة مجلس النواب، بعد ان حاولت الاحزاب السياسية العراقية، وبمساعدة الاتحاد الوطني الكوردستاني، الالتفاف على البارتي، لسلب منصب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب منه، الامر الذي ادى الى تدخل شخصي من قبل السلطة القضائية لحسمه واعادة المنصب مرة اخرى للديمقراطي والتصويت السلس والسريع على مرشح الحزب.
وبعد ان تيقن الجميع، حقيقة وزن وثقل وقوة البارتي، حاول الاتحاد الوطني الكوردستاني ان يزيد من ضغطه على الديمقراطي لمساومته على موضوع رئاسة الجمهورية، مقابل ابداء المرونة لتشكيل الكابينة العاشرة لحكومة اقليم كوردستان، والذي اعترف الاتحاد وعلى لسان رئيسه شخصيا، بانه تعمد في تاخير تشكيل الحكومة وتفاخر بذلك اثناء الحملة الانتخابية لمجلس النواب العراقي، لياتي موقف الديمقراطي وعلى لسان الرئيس مسعود بارزاني، في توضيح الية وطريقة اختيار وانتخاب رئيس الجمهورية.
وهنا ايضا تتوضح احقية موقف الديمقراطي للحفاظ على الثقل الكوردي في بغداد، وللحفاظ على هيبة رئاسة الجمهورية، بكون رئيس الجمهورية حاميا للدستور وممثلا لكل الشعب العراقي وتنفيذ ماجاء في الدستور واجبار الحكومة على مراجعة سياساتها في التقصير الحاصل حول تنفيذ الدستور العراقي، بعد ان بينت العديد من المصادر القانونية بان هناك تجاوزا على هذه الوثيقة واهمالا لما لايقل عن 50 مادة من هذا الدستور دون تنفيذها، ومن ضمنها المادة 140، اي لا يريد الديمقراطي ان يكون رئيس الجمهورية كورديا بالاسم، ينفذ اجندات تملى عليه من خارج الحدود ولايستطيع ان يتحرك ولا خطوة لتنفيذ ماعليه من واجبات وممارسة مهامه الدستورية، اي لايريد الديمقراطي اعادة السيناريوهات التي شهدتها كوردستان في الماضي، حيث كان الكورد ممن يعينون في المناصب المهمة في حكومة البعث، مجرد موظفين لاتتجاوز سلطتهم، سلطة اصغر موظف في القصر الجمهوري، هذا مايريده الديمقراطي، لان التمثيل الحزبي في الاطر الضيقة، سيجعل من رئيس الجمهورية لعبة تتحكم بها القوى التي تشكل الاغلبية السياسية وستسيطر عليه ليكون من يجلس على هذا الكرسي، شخصا هامشيا دون ان يكون له اي دور في رسم السياسة العراقية.
ان استمرار هذه الطريقة في ادارة الدولة العراقية، ستكون سببا في مزيد من التوسع في الفجوة الموجودة اصلا، بين المكونات القومية والدينية والمذهبية العراقية، وستلقي الازمات والمشاكل السياسية بظلالها على الوضع في كوردستان، حيث الشراكة والتفاهم والتواطؤ بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والاحزاب الميليشيوية والتي تدعم اي مرشح مهما كان ضعيفا من قبل الاتحاد الوطني لرئاسة الجمهورية، لبقاء هذا المنصب محتكرا من قبل هذا الحزب، ولضمان الاطمئنان من توقف التطور في الوضع الكوردستاني في شتى المجالات، واستمرار التباعد والصراع بين الحزبين، حيث تضع هذه الاحزاب مصلحتها ونجاحها، مقابل استمرار الخلاف بين الحزبين، بل وتراهن احيانا على اعادة شبح الاقتتال الداخلي.
ولاشك بان احتكار المنصب من قبل الاتحاد، واعتماده على الاحزاب الميليشيوية في استمرار هذا الاحتكار دون الاستناد على الاجماع الكوردي، سيزيد من حدة الصراع والخلاف مع الحزب الديمقراطي، وكلا الامرين يشكلان خطرا كبيرا على الوضع السياسي في الاقليم.
ومن خلال كل ماقيل، يتضح بان الاتحاد الوطني يرى، بان المساومة على منصب رئيس الجمهورية، هو الهدف الاساسي والرئيس له لاستمرار ممارسة نشاطه وعمله السياسي، بتحويل هذه المساومة الى خلاف عقيم لا حل له، او تنفيذ طلباته باستمرار محاولات لي الذراع، والتي ستزول مع اولى ضربات الولايات المتحدة الامريكية على الميليشيات، ولن يكون للاتحاد الوطني اي مرجع او منقذ آخر، غير الحزب الديمقراطي، ومقر الرئيس مسعود بارزاني.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…