الكرد في مرمى الإبادة … والإرهاب يعاد تدويره

عبدالعزيز قاسم 
منذ أيام يشن جيش حكومة الجولاني، وبإسناد تركي مباشر وواضح، حربا مفتوحة على الحيين الكرديين الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، حربا ليست كالحروب؛ جيش مجهز يهاجم أحياء سكنية بالصواريخ والدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات المسيرة بلا أي وجود عسكري مقابل، في محاولة لكسر إرادة السكان وفرض وقائع بالقوة، وهو ما يرقى إلى جرائم حرب وإبادة جماعية مكتملة الأركان: قصف مدفعي وصاروخي عشوائي، حصار خانق، قطع متعمّد للمياه والكهرباء، تدمير للمنازل، وسقوط مستمر للمدنيين بين شهيد وجريح، في ظل صمت دولي وأمريكي فاضح.
هذا الصمت لم يعد قابلا للتفسير بالجهل أو العجز، بل بات موقفا سياسيا مقصودا، يرقى إلى مستوى التواطؤ. فالمجتمع الدولي، الذي يملك كل أدوات الضغط والتدخل، يختار الوقوف متفرجا بينما تستباح أحياء مدنية كردية، ويستهدف وجود شعب بأكمله.
في هذا السياق، يكتسب تصريح وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، أهمية سياسية خاصة، حين أكد أن المجتمع الدولي مدين للكرد بدورهم الحاسم في القضاء على تنظيم داعش. غير أن هذا “الدَّين” يبدو اليوم مجرد عبارة للاستهلاك الإعلامي، لا أكثر. فالكرد الذين قاتلوا داعش نيابة عن العالم، وقدموا آلاف الشهداء دفاعا عن الإنسانية، يتركون الآن وحدهم في مواجهة القصف والحصار والمجازر.
الأخطر من ذلك، أن المعارك الدائرة في الشيخ مقصود والأشرفية تشهد، وفق معطيات وشهادات ميدانية، مشاركة عناصر من تنظيم داعش ومجموعات تحمل فكره وحتى تحت راياته وتكبيراته، إلى جانب القوات المهاجمة ضد الأحياء الكردية، ومع ذلك لا نسمع أي إدانة دولية جدية، ولا نرى أي تحرك لمنع عودة التنظيم الإرهابي من بوابة استهداف الكرد.
إن هذا الواقع يكشف زيف الخطاب الدولي حول “محاربة الإرهاب”، ويطرح احتمالين لا ثالث لهما:
إمّا وجود صفقات وتفاهمات إقليمية ودولية، تدار في الغرف المغلقة، ويتم فيها التضحية بحقوق الشعب الكردي ووجوده مقابل ترتيبات سياسية وأمنية،
وإما أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد تخلوا عمليا عن قوات سوريا الديمقراطية، وخضعوا للضغوط التركية والعربية، غير آبهين لا بالتضحيات السابقة ولا بالمخاطر المستقبلية.
وفي كلتا الحالتين، فإن النتيجة واحدة: الكرد يُستهدفون، والإرهاب يعاد تدويره، والاستقرار الإقليمي يُقوض. إن السماح باستمرار هذه الحرب، وغض الطرف عن مشاركة عناصر داعش فيها، لا يشكل فقط خيانة لشعب قاتل الإرهاب، بل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي والدولي.
إذا كان المجتمع الدولي “مدينا للكرد” فعلًا، كما قال وزير خارجية إسرائيل، فإن سداد هذا الدين لا يكون بالتصريحات ولا بالمواقف الرمزية، بل بوقف العدوان فورا، ورفع الحصار، وحماية المدنيين، ومنع الإبادة، ومحاسبة المسؤولين عنها. أما الاستمرار في الصمت، فلن يُفسر إلا باعتباره شراكة غير معلنة في الجريمة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…