حين تتحول السلطة المؤقتة في دمشق إلى خطر إحداث شرخ سياسي ومجتمعي: من الفشل السياسي إلى استهداف المكوّنات

شادي حاجي
بعد الأحداث الفظيعة التي شهدها الساحل والسويداء، والقصف الهمجي الذي تعرّض له سكّان حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديَّين، لم تعد المخاوف من انزلاق البلاد نحو موجة جديدة من العنف مجرّد تحليلات سياسية، بل باتت مؤشرات واقعية على نهج تتبعه السلطة المؤقتة في دمشق. نهج يقوم على إدارة الأزمات بمنطق القوّة واستخدام السلاح، بدل معالجتها وفق أسس قانونية ووطنية جامعة، ما يهدّد السلم الأهلي ويقوّض أي أمل ببناء دولة قانون.
من منظور سياسي، تكشف سياسات السلطة المؤقتة في دمشق عن خلل عميق في ترتيب الأولويات. ففي الوقت الذي يُفترض فيه حماية السيادة الوطنية ومواجهة التحديات الخارجية، يظهر عجز واضح أو تساهل مريب في هذا المجال (الاتفاق الذي حصل بين مسؤولي السلطة وإسرائيل نموذجا)، يقابله تشدّد مفرط تجاه المكوّنات الداخلية، وفي مقدّمتها الشعب الكردي في سوريا. هذا التناقض لا يمكن تفسيره إلا بوصفه سياسة انتقائية تستخدم القوّة ضد الداخل، وتتجنّب المواجهة حيث يتطلّب الأمر موقفا سياديا حقيقياً.
أما قانونيا، فإن أي تحرّك عسكري أو أمني يستهدف جماعيا مكوّنا بعينه، خارج إطار المساءلة القضائية والضمانات الدستورية، يُعدّ انتهاكا صريحًا لمبادئ القانون العام وقواعد حقوق الإنسان. فالسلطة المؤقتة في دمشق، بحكم تعريفها، تفتقر إلى التفويض الشعبي والدستوري الذي يخولها اتخاذ قرارات مصيرية تمسّ حياة المواطنين ووجودهم، ناهيك عن شرعنة العنف ضدّهم.
إن استهداف الكرد، أو أي مكوّن سوري آخر، لا يشكّل فقط جريمة سياسية وأخلاقية، بل يرقى إلى مستوى الخطر الدستوري، لأنه يضرب مبدأ المواطنة المتساوية التي تتغنّى بها صباحا ومساءً، ويؤسّس لدولة تقوم على الإقصاء بدل الشراكة. والتجارب القريبة تؤكّد أن هذا المسار لا ينتج استقرارا، بل يفتح الباب أمام مزيد من التفكك والصراعات طويلة الأمد.
في المحصّلة، لا يمكن لسلطة تدّعي إدارة مرحلة انتقالية أن تنجح وهي تستبدل الحوار بالقمع، والقانون بالقوّة. فبناء سوريا المستقبل يبدأ بالاعتراف بتعدّدها القومي والديني والطائفي، واحترام حقوق مكوّناتها، والالتزام الصارم بالمعايير السياسية والقانونية، لا بتكرار سياسات أثبتت فشلها ودمويتها على مدى عقود.
وإلى مستقبل أفضل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…