خوشناف سليمان
تعود مدينة حلب. ومعها أحياؤها الكُردية. إلى واجهة الخطر من جديد. في لحظة سياسية شديدة الحساسية تمرّ بها سوريا. فالتطورات الأمنية الأخيرة التي شهدها حيّا الشيخ مقصود والأشرفية لا يمكن التعامل معها كحوادث معزولة أو اشتباكات ظرفية. بل تأتي في سياق سياسي وأمني معقّد يتقاطع فيه العنف الميداني مع مسارات تفاوض مفتوحة بين الحكومة المؤقتة في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية.
في هذا المشهد القاتم. جاء بيان الرئيس مسعود بارزاني ليضع الأمور في نصابها. محذّرًا بوضوح من خطورة الأوضاع الجارية في مدينة حلب. ومعتبرًا أن القتال والعنف الحاليين يشكّلان تهديدًا مباشرًا لحياة المدنيين الأبرياء. مع وجود خطر حقيقي يتمثّل في احتمال تعرّض الكُرد لسياسات تطهير عرقي في تلك المناطق.
استهداف الأحياء الكُردية.. صدفة أم رسالة سياسية؟
إن ما تعرّض له حيّا الشيخ مقصود والأشرفية من اعتداءات وضغوط أمنية يثير تساؤلات جدّية حول توقيت هذه الأحداث ودلالاتها. فهاتان المنطقتان تُعدّان من أكثر أحياء حلب كثافة بالسكان المدنيين. ولم تكونا يومًا مصدر تهديد عسكري مباشر للمدينة. لذلك. فإن استهدافهما في هذا التوقيت. المتزامن مع الحديث عن تفاوض سياسي. يفتح الباب أمام قراءة خطيرة مفادها أن المدنيين الكُرد يُستخدمون كأداة ضغط في معادلات سياسية لم تُحسم بعد.
وحين تتحوّل الخلافات السياسية إلى صراع قومي. وحين يُستهدف المواطن بسبب هويته القومية لا بسبب موقفه السياسي. فإن البلاد تكون قد دخلت مرحلة شديدة الخطورة. تتجاوز حدود الخلاف السياسي إلى تهديد السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي.
فرصة سياسية تُهدَر بالعنف
أشار الرئيس مسعود بارزاني في بيانه إلى أن التغيرات السياسية التي تشهدها سوريا كان من الممكن أن تشكّل فرصة حقيقية لإيجاد حلّ عادل يضمن الحقوق المشروعة للشعب الكُردي. ويعالج القضايا المزمنة عبر الحوار والوسائل السلمية. غير أن ما يجري على الأرض اليوم يوحي بأن بعض الأطراف ما زالت تُصرّ على إدارة الخلافات بالعنف. بدل تحويلها إلى مسارات سياسية عقلانية.
إن استمرار هذا النهج لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام. وإضاعة فرصة جديدة لإعادة بناء الثقة بين مكوّنات المجتمع السوري.
مسؤولية الدولة.. ومسؤولية القوى الكُردية
طالب الرئيس بارزاني السلطات السورية بعدم السماح بتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات قومية. وبمنع أي شكل من أشكال الاعتداء أو الإقصاء أو التهجير بحق المواطنين الكُرد في مناطق حلب. أو الضغط عليهم أو تهديد وجودهم في أرضهم التي عاشوا فيها أجيالًا متعاقبة.
وفي المقابل. دعا الأطراف الكُردية. ولا سيما قوات سوريا الديمقراطية. إلى بذل كل الجهود الممكنة لوقف القتال. ومنع المزيد من إراقة الدماء. واعتماد الحوار والتفاوض سبيلًا وحيدًا لحلّ النزاعات. إدراكًا لحساسية المرحلة وخطورة الانجرار إلى دوّامة عنف مفتوحة يدفع المدنيون ثمنها أولًا.
جريمة لا يمكن تبريرها
التشديد الأبرز في بيان الرئيس بارزاني كان توصيف تعريض المدنيين الكُرد لخطر التطهير العرقي على أنه جريمة ضد الإنسانية. وهو توصيف يحمل أبعادًا أخلاقية وقانونية وسياسية عميقة. فالتاريخ يثبت أن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم. وأن نتائجها لا تتوقف عند حدود الضحايا المباشرين. بل تمتد لتقويض أي أمل بمستقبل مشترك قائم على العدالة والمواطنة المتساوية.
الكُرد ليسوا تفصيلًا في معادلة سوريا
ما يجري في الشيخ مقصود والأشرفية ليس حدثًا أمنيًا عابرًا. بل اختبار حقيقي لنيات الأطراف السورية في بناء دولة تحترم التنوّع وتحمي مواطنيها دون تمييز. فالكُرد ليسوا طارئين على حلب. ولا على سوريا. واستهدافهم اليوم لن يؤدي إلا إلى تعميق الجراح. وإعادة إنتاج الأزمات نفسها بأشكال أكثر عنفًا.
تحذير مسعود بارزاني ليس موجّهًا ضد طرف بعينه. بل هو نداء سياسي وأخلاقي عاجل..
أوقفوا العنف. احموا المدنيين. ولا تجعلوا مسارات التفاوض تُكتب بدم الأبرياء.