إبراهيم اليوسف
قبل كل شيء، أبين أنني منذ بداية المقتلة السورية 2011، أسجل موقفي ضد آلة الحرب، إلا أنني كما غيري لابد من أن يكون لي موقفي من حالة الدفاع عن الذات. هكذا، تماماً، وقفت مع- الجيش الحر- عندما كان حراً، غير ممسوخ في المختبر التركي- القطري وغيرهما، في مواجهة آلة القتل الأسدي، كما إنني أحد هؤلاء الذين دعوا ويدعون وسيدعون إلى تحريم دم السوري على السوري، ومن هنا، فقد وقفت ضد المجازر التي تمت في جرمانا- حمص- السويداء- الساحل، من قبل حكومة أبي محمد الجولاني المؤقتة التي استحصلت على شرعيتها، من الخارج، لقاء رشاوى سعودية- تركية وقطرية، وراحت تترجم هذه الرخصة للسعي لإبادة المكونات السورية. كل منها- حسب الدور المرسوم في أنقرة- ضمن هيمنة صمت دولي، واضح. مفضوح . وهنا، فإنني أشير في هذه المقدمة إلى أن الركن الداخلي لشرعية حكومة الجولاني تتأسس على” اليوتوبيريين “الذين استضافهم، والتقاهم، وقربهم- وفي هذا ما يبين بجلاء طبيعة هشاشة هذه الطغمة- هؤلاء الذين باتوا يصولون ويجولون ويقدمون أنفسهم بأنهم وزارة الدفاع السورية، لأن كل هؤلاء راحوا يشوهون صورة الآخر: الكردي- العلوي- الدرزي وحتى السني غير المتواطىء، ويؤلبون عليه، منقلبين حتى على أنفسهم، لأن أكثرهم كان من أتباع النظام السابق. بعضهم من أجل تبييض صفحته الشخصية، وبعضهم الآخر طمعاً في مكسب والتقاط صورة إلى جانب” الرئيس” أو حتى واحد من طراز المدعو حسن الدغيم، بعد أن كانت صورة الأسد الأب معلقة في جدار بيته، ومن ثم صورة بشار، ومنهم من كان أبوه قد التقط صورة له مع هذا الطاغية أو ذاك، وكان حلمه التصوير مع الطاغية إن لم يكن هونفسه قد فعل ذلك.
وحين أشير إلى ميليشاوية فصائل الهيئة والعمشات وما تسمى بفرق وألوية: سليمان شاه- الحمزات- السلطان مراد- الزنكي- إلخ فذلك لأن الحقيقة الناصعة تتجلى في أن أرومة هذه الفصائل ذات منشأ ميليشياوي، إذ نشأت خارج مفهوم الجيش الوطني المنضبط، وتشكّلت على إيقاع الولاءات والوظائف المؤقتة، ولاتزال ترضع من صدر أكثر من دولة مغرضة أو محتلة لسوريا، حيث لا يحق لمن لم يُنجز انتقاله إلى بنية الدولة أن يُسقِط توصيفه على غيره. ومن هنا، تتهافت، وتسقط، محاولة نعت سواها بالميليشياوية، لاسيما حين يتعلق الأمر بقوة سبقتها إلى تنظيم شؤونها العسكرية والإدارية وفق نموذج جيش فعلي، له تراتبية واضحة وانضباط مؤسسي وتجربة ميدانية تراكمية. تأسيساً على ذلك، تنتفي أي شرعية أخلاقية أو سياسية لمطالبة جيش قسد بالانضمام استسلاماً أو التفريط بسلاحه، إذ لا يُتصوَّر دمجٌ قسري خارج تسوية سورية شاملة تُعيد تعريف الدولة ووظيفتها، وتقرّ صراحة بجملة شروط الدولة الفيدرالية الديمقراطية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على تحويل السلاح من أداة حماية إلى ضمانة دستورية، وعلى نقل القوة من منطق الغلبة إلى منطق العقد الوطني، ولو كانت الفيدرالية- مطبقة الآن- بعد تسويفات وتعطيلات على امتداد أشهر من لدن سلطة ميليشات دمشق، ودعم وتحريض أبواقها الرخيصة، لما هدرت الآن نقطة دم سورية بريئة: عربية وكردية، مأسوف عليها.
حيا الشيخ مقصود والأشرفية باتا- فجأة- عنوان خلاف مفتعل، بدعوى وجود قوات سوريا الديمقراطية، ولست هنا في موقع الدفاع عنها، إلا أني كمراقب أرى: أن قوات سوريا الديمقراطية- رغم كل ما سجلناه عليها- خدمت سوريا، أكثر من ميليشيات الجولاني وأنصاره: من العمشات وأشباههم، ومن حق الكردي حماية إنسانه، ثم إن ثمة اتفاقاً بين الطرفين، خرجت بموجبه قوات سوريا الديمقراطية من هذين الحيين، وبقيت- قوى الشرطة/ الأسايش- تحمي الحيين، في انتظار استكمال اتفاق آذار2025 الذي هو دون حق الكرد السوريين- أصلاً- ورغم ذلك فإن سلطة ميليشيات دمشق كانت تعرقل تطبيقه، وتستكثر ما فيه من نزر يسير على الكردي، مدفوعة بروح من خليط: فاشي عصملي- عفلقي- داعشي- وهابي، ولقد لاحظنا- أكثر من مرة- كيف أن ميليشيات الجولاني نكثت بتعهدها، وحبر وتوقيع رئيس- المصادفة- الذي عرَى كثيرين ممن كانوا ضده وانقلبوا ليكونوا معه، وسيكونون مع أي قادم آخر بعده، فيما لو لحقت سلطة الأمر الواقع بسابقاتها.
ثمة حصارٌ رهيبٌ تمَ على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، بالإضافة إلى حي بني زيد- المستحدث والذي يقطنه ألاف الكرد- بعد حالة الرعب التي هيمنت منذ وصول هيئة تحرير الشام إلى دمشق، وإبعاد محرري دمشق الفعليين من- فصيل أحمد العودة- وفق مخطط مرسوم، ليتفرغ هذان الحيان من سكانهما على غرار ما تم في عفرين- سري كانيي/ رأس العين، تل أبيض إلخ. شخصياً، إذ غدا نتيجة القصف المدفعي والصاروخي والدروني وسواه من الأسلحة الثقيلة ما يقارب مئتي ألف شخص من سكانه، مهجرين، من بيوتهم، وتم تدمير مئات المنازل و إصابة عشرات الجرحى والضحايا الأبرياء، وهنا، لا أنظر إلى نتائج الهجوم الميليشاوي على أهالي الحيين، وحي بني زيد، ليس لأن هناك جيش حكومة- رسمياً- كما تزعم أبواق السلطة الهجينة، وإنما لأن قوات الهيئة ومن وراءها لا يمكن لها أن تنتصر على قوات سوريا الديمقراطية، من دون استمداد قوتها ودعمها من الخارج، وهو ما جعل تحركها- البيدقي- يترافق مع دعم ميداني تركي، وتمويل خليجي، إذ إن هناك غرضين من وراء اختيار افتعال الحرب على الكرد في هذين الحيين، أولهما: تسجيل انتصار مزيف لميلشيات دمشق وربيباتها للتلويح به و محاولة كسر إرادة و روح مقاتلي- قسد- وثانيهما ليكون ذلك مفتاحاً إلى بوابة منطقة الجزيرة، لتصبح سوريا كلها ولاية إسلاموية، تحت نير حكم دولة جهادية غرفة عملياتها تتوزع بين أنقرة ودمشق، بحسب الدور الذي ارتأته السلطة الجديدة لنفسها، لاسيما إنها في إطار الثأر من الكرد الذين كسروا شوكة جبهة النصرة- داعش، في أكثر من موقع.
ولا يغرن الجولاني وميليشياته ظهور فيديو هنا وهناك يتم فيه أسر فتاة من الأسايش تدافع عن حيها في وجه الهجوم التركي- الداعشي- الميليشاوي- كما إنني لست من هؤلاء الذين يصفقون للحرب ففي انتصار أي طرف من الطرفين خسارة سورية وهدر دماء بريئة، وإن كان مقابل ذلك ثمة العشرات من أسرى الميليشيات الذين لم تشفع لهم المسيرات والطائرات التركية بالثبات في مواجهة مثل هذه اللبوة- الكردية او العربية- التي تُشتم من قبل فرخ داعشي” خنزير” بأنها خنزيرة، ولطالما كانت هي وشقيقاتها في خط الدفاع الأول في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي- في الدفاع عن سوريا كائنات وأمكنة- إلى أن دحرنه مع أشقائهن، من المكونات السورية كلها، والتي لا تستطيع ميليشيات الجهاد. ميليشيات اللون الواحد الاحتذاء برؤية قوات سوريا الديمقراطية، رغم الكثير من تحفظاتي عليها، واكتساب ثقة المكونات السورية كما فعلت قسد وتفعل، وهو ما سيظل دمغة في سيرة ومسار حكم سلطة الميليشيات في دمشق، إلى أن يتم تعميدها في إنجاز عودة سوريا إلى سورييها، كدولة فيدرالية ديمقراطية، وتتحقق فيها العدالة الانتقالية، وفق المعايير الدولية، لا وفق معايير سلطة تزعم أنها ألقت القبض على أكثر من ستة آلاف- معتقل علوي- بينما مرتكبو الجرائم من فلول السلطة طلقاء، وهم في مواقع السلطتين” التشريعية والتنفيذية” يقتلون ويعتقلون ويقاضون.
ومن هنا، فإن سلطة الأمر الواقع في دمشق سارت وتسير بالخطا ذاتها التي كان يسلكها نظام الطاغية الأسدي: أباً وابناً، في محاربة الكرد، وإن اضطر النظام في محطة ما الاستعانة ب” ب ي د” الذي ارتكب أخطاء كثيرة وهو يستبعد من لا ينضوي من الكرد تحت رايته، وما توقيع الجنرال مظلوم عبدي- بمفرده- على وثيقة الحدود ما دون الدنيا للاستحقاق الوطني الكردي إلا نتاج ذلك الاستفراد، ورغم ذلك فإن مؤتمر نيسان 2025، وضع الحد لما سبق، موحداً كلمة الكرد، كما يجب أن تكون، وستظل على هذا النحو.
على العالم الذي وقف مكتوف الأيدي أمام تسلل الدواعش إلى دمشق التحرك، وهم يرون بأم أعينهم كيف أن الخليفة الخرف أردوغان يسير بيادقه لتنفيذ أجنداته ضد شعب آمن، متحدياً كل الأعراف والقوانين والأنظمة على نحو سافر. أية تكون نتائج الحرب على ثلاثة أحياء يقطنها كرد حلب. على ثلاثة شوارع في حلب، من قبل حكومتين وبرخص إقليمية، دولية تبين مدى جبن هؤلاء العابرين، ومدى عظمة قضية الكردي وبسالته.