حين تُدار المعارك من الطاولة لا من خطوط التماس.. النزوح السياسي للكورد في حلب عنوان المرحلة.

عنايت ديكو 
لم يعد ما يتعرّض له الكورد في سوريا مجرّد فصلٍ عابر من فصول الحرب الطويلة، بل دخلنا اليوم طوراً أخطر، يمكن تسميته بوضوح: النزوح السياسي للكورد.
نزوحٌ… لا يشبه سابقَيه، لا في السياق ولا في الأدوات ولا في الأهداف، بل في كونه نتاج قرارٍ سياسيٍّ إقليمي ودولي مُسبق، لا نتيجة اشتباكٍ عفوي أو خطأ ميداني.
عادةً، في العُرف السياسي والعسكري، تذهب الأطراف المتحاربة والمتخاصمة من خطوط التماس إلى طاولة المفاوضات، بحثاً عن توافقات وتسوياتٍ بينية تُنقذ ما تبقّى من دمٍ وخراب. لكن ما نشهده اليوم هو انقلابٌ كامل على هذا المنطق وهذه المفاهيم.
إذ جاء السيد الشيباني، ومن خلفه هيئة تحرير الشام، من الطاولة إلى الميدان، من لغة السياسة إلى لغة الذبح، ومن التفاوض إلى الحسم العسكري، ومن الادّعاء الديني إلى ممارسة القتل المنهجي بحق الكورد. لا مفاوضات، لا حلول سياسية، لا اعتراف بالآخر، بل إصرارٌ فجّ على المواجهة، وإصرارٌ أشدّ على كسر الوجود الكوردي عبر النزوح والترويع والحصار والتجويع.
وهذا السلوك ليس طارئاً، بل ينسجم تماماً مع بنية ومنهجية التفكير للإسلام العروبوي، الذي لا يرى في التعدّد القومي والإثني شراكةً في الوطن، بل تهديداً، ولا في الكوردي مواطناً، بل عقبةً يجب إزالتها.
الأخطر من الفعل ذاته هو مشهد المتفرّجين: الأمريكيون، الفرنسيون، البريطانيون، والإسرائيليون، وعربان الخليج، وهم يراقبون الذبح والنزوح والدمار ببرودٍ فاضح، إلى جانب القنوات الإعلامية السعودية، وهي تنضم إلى المعارك بكامل عدّتها العسكرية.
صمتٌ مريب، وإدارة للصراع عن بُعد. الجميع يتفرّج، وكأن الدم الكوردي خارج حسابات الأخلاق والسياسة معاً.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور توم باراك الأمريكي، الذي نقل الملف من الطاولة إلى الخندق، ليقول للسوريين عملياً: اضربوا بعضكم بعضاً حتى الرمق المطلوب. فما رسمه اللاعبون في باريس من تفاهماتٍ وضغوط وشروط، يُطبَّق اليوم على الأرض، لا في قاعات الفنادق، بل في الشيخ مقصود والأشرفية، وعبر أجساد المدنيين الكورد.
نعم… هذا النزوح الهائل ليس تكراراً ميكانيكياً لنزوح عفرين أو سري كانيه أو كري سبي. إنه نزوحٌ سياسي بامتياز، تُحرق فيه كافة الملفات، وتُغلق كل النوافذ، وتُصفّى الآمال كل دقيقة.
نعم… قد يستطيعون كتابة شروطهم “الباريسية” على الورق، لكنهم بذلك يفتحون باباً واسعاً لاستمرار وتجدّد الحرب في سوريا، بأدواتٍ جديدة، وأسماءٍ مختلفة، وجوهرٍ واحد، وهدفهم هو: إقصاء الكورد عن معادلة سوريا.
إن ما يجري اليوم يؤكّد حقيقةً واحدة، وهي أن الحرب السورية لم تنتهِ، وستستمر أكثر فأكثر، وبأثمانٍ أفدح.
أمام هذا المشهد القاتم، لا يملك الكورد ترف التفرّق أو الانتظار. ووحدة الصف الكوردي لم تعد شعاراً ثقافياً أو رغبةً عاطفية، بل ضرورة وجودية. لأن النزيف لا يُوقَف بالبيانات والمناشدات، بل بالفعل والعمل المنظّم. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إنشاء غرفة عمليات كوردستانية مشتركة، سياسية – إعلامية – إنسانية – عسكرية، لتدارك الكارثة، وتنسيق الجهود، ودعم الكورد في عفرين وسائر المناطق المستهدفة.
وغرفة العمليات هذه لا تُدار بردّات الفعل هنا أو هناك، بل برؤيةٍ استراتيجية، تُخاطب الداخل الكوردي بلغة المسؤولية، وتُخاطب الخارج بلغة المصالح، وتضع حدّاً لتحويل الجغرافيا الكوردية إلى ساحة اختبار لمشاريع الآخرين.
في الأخير… نستطيع القول إن هذه المعركة ليست معركةً تفصيلية، بل حلقة جديدة من الحرب الكوردية من أجل الحرية.
ومن لا يقرأ اللحظة جيداً، سيجد نفسه خارج التاريخ، أو في ذيل المأساة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…