بين قلق التخلي وحقائق المصالح: الكورد في الحسابات الأمريكية بين الجولاني وتركيا؟

سليمان سليمان 
في خضم التصعيد العسكري الذي تشهده مدينة حلب، ولا سيما الهجمات التي تنفذها الفصائل الإرهابية التابعة لحكومة محمد الجولاني والمدعومة بشكل مباشر من الدولة التركية راعية الإرهاب في المنطقة  ضد الأحياء الكوردية في الشيخ مقصود والأشرفية، تتصاعد حالة القلق لدى شريحة واسعة من الناس مع تداول توقعات عن احتمال تخلي الولايات المتحدة عن الكورد لصالح ترتيبات جديدة تجمعها بالجولاني وأنقرة. غير أن قراءة أعمق لمعادلات السياسة الدولية، ولسجل الفاعلين الإقليميين، تقود إلى استنتاج مختلف تماماً عن هذا السيناريو المتشائم.
أولاً، لا يمكن فصل ما تقوم به الفصائل التابعة للجولاني عن جذورها الفكرية والتنظيمية. فهذه الجماعات، مهما حاولت إعادة تدوير خطابها أو تغيير أسمائها وواجهاتها القيادية، تبقى نتاجاً مباشراً لبيئة أيديولوجية قائمة على التطرف والعنف والعداء البنيوي للقيم الغربية، وللولايات المتحدة تحديداً، فضلاً عن العداء المعلن لإسرائيل. 
ومن هذا المنظور، تدرك واشنطن جيداً أن التحول الشكلي لا يعني تحولاً جوهرياً، وأن من تربى في عمق منظمات مصنفة إرهابيا لا يمكن أن يصبح فجأة شريكاً موثوقاً في مشروع استقرار إقليمي طويل الأمد. محمد الجولاني لن يتحول إلى رجل دولة لمجرد تغيير الاسم أو الزي السياسي، حتى لو رش عليه ترامب برميلاً كاملاً من العطر الفاخر، فالعقل الأمني الأمريكي لا يصاب بفقدان حاسة الشم السياسية بسهولة، ويعرف أن محاولة تعطير الماضي الإرهابي لا تغير جوهره، وأن الروائح يمكن إخفاؤها مؤقتاً، لكن الأفكار والعقائد المتجذرة لا تمحى بالمساحيق ولا بالرموز البروتوكولية.
ثانياً، الرهان على شراكة استراتيجية بين الولايات المتحدة وتركيا على حساب الكورد يتجاهل التناقضات العميقة في العلاقة بين الطرفين. فتركيا، رغم كونها عضواً في حلف الناتو، باتت تنظر إليها في دوائر غربية واسعة باعتبارها لاعباً إشكالياً يتقاطع في سياساته مع جماعات متطرفة ويستخدمها كأدوات نفوذ في سوريا وغيرها. والولايات المتحدة  ومعها إسرائيل على وجه الخصوص تعيان أن أنقرة كانت ولا تزال أحد أكبر الممرات والداعمين غير المباشرين لعدد من التنظيمات الإرهابية في المنطقة، وأن سياساتها التوسعية تنتج عدم استقرار مزمن، لا شريكاً يمكن الاعتماد عليه بثقة واستمرارية.
ثالثاً، لا يمكن إغفال البعد الاستراتيجي والاقتصادي للعلاقة الأمريكية مع كوردستان، من باشوري كوردستان إلى روج آفاي كوردستان . فهذه الجغرافيا تمثل بالنسبة لواشنطن نقطة ارتكاز حيوية في الشرق الأوسط، سواء من حيث الطاقة، أو من حيث التوازنات الإقليمية، أو في إطار احتواء القوى المعادية لمصالحها. وعليه، لم تبن العلاقة مع الكورد على اعتبارات أخلاقية أو ظرفية فحسب، بل على شراكة عملية أثبتت جدواها عبر سنوات.
  أما من الناحية الأمنية، فقد قدم الكورد نموذجاً نادراً في المنطقة. لم يثبتوا أنهم شريك يمكن الاعتماد عليه في إطار التحالف الدولي فحسب، بل أثبتوا للعالم أجمع أنهم القوة الأكثر موثوقية في محاربة الإرهاب
 ففي الوقت الذي انهارت فيه جيوش نظامية تمتلك أضخم الترسانات العسكرية أمام هجمات التنظيمات المتطرفة، وقف الكورد بإمكانات محدودة ولكن بإرادة وتنظيم وشجاعة استثنائية، وتمكنوا من هزيمة أخطر التنظيمات الإرهابية التي عرفها العصر الحديث. وهذا السجل لا يمكن تجاهله أو استبداله بشراكات هشة مع قوى تحمل في داخلها بذور التطرف وعدم الاستقرار.
انطلاقاً من كل ما سبق، تبدو فرضية تخلي الولايات المتحدة عن الكورد لصالح الجولاني وتركيا أقرب إلى القلق النفسي المشروع منها إلى التحليل السياسي الواقعي. فحتى في أكثر لحظاتها براغماتية، تقوم السياسة الأمريكية على حسابات المصلحة طويلة الأمد، وهذه المصلحة لا يمكن أن تبنى على قوى متطرفة متقلبة، أو على دولة تتجه داخلياً وإقليمياً نحو مزيد من الأزمات والتفكك. في المقابل، أثبت الكورد أنهم الشريك الأكثر اتزاناً ومصداقية، والأكثر انسجاماً مع متطلبات الاستقرار ومحاربة الإرهاب في المنطقة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…