صلاح عمر
في زمنٍ تتكسّر فيه المعايير، وتُقلب فيه الحقائق، ويُستبدل المنطق بالتحريض، يصبح اتخاذ الموقف فعلاً شجاعًا لا ترفًا فكريًا. نحن اليوم لا نعيش مرحلة عادية من تاريخنا، بل نقف عند حافة وجود، حيث يُعاد تعريف العدو، ويُعاد رسم حدود الدم، وتُختبر قدرة الشعوب على التمسك بنفسها قبل أن تُسلب منها حق الكلام. في مثل هذه اللحظات، لا يعود السؤال: ماذا نريد؟ بل يصبح: ماذا يجب أن نفعل كي نبقى؟
الوقوف اليوم إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية ليس موقفًا عاطفيًا، ولا اصطفافًا أيديولوجيًا، ولا انبهارًا بتنظيم أو قيادة. هو موقف قاسٍ فرضته الضرورة، وخيار ثقيل وُلد من رحم الخطر، لا من دفاتر التنظير. هو إدراك عميق بأن الفراغ أخطر من الخطأ، وأن السقوط الكامل لا يتيح ترف المحاسبة، وأن الشعوب التي تُستباح أولًا تُطالَب بالصمت أخيرًا.
أنا لا أقدّس قسد، ولا أراها فوق النقد، ولا أمنحها حصانة أخلاقية أو سياسية. أعرف كما يعرف غيري أن الأخطاء وقعت، وأن التجاوزات حدثت، وأن الإدارة لم تكن دائمًا على مستوى التضحيات، لكنني أعرف أيضًا حقيقة لا يمكن القفز فوقها: قسد اليوم هي السدّ الأخير الذي يمنع انكشاف الجغرافيا الكردية أمام مشاريع الإلغاء، وهي خط الدفاع الذي يفصل بين الوجود الكردي وبين سيناريوهات رأيناها بأعيننا في الساحل والجنوب.
ما يحدث اليوم من تصاعد خطاب الكراهية ضد الكرد ليس صدفة، وليس نتاج انفعال عابر، بل هو مسار ممنهج، تُغذّيه سلطة تبحث عن توحيد الخوف عبر صناعة عدو داخلي، وتحتاج إلى شماعة تُعلّق عليها فشلها، وتستحضر من الذاكرة السورية أسوأ ما فيها: التخوين، التحريض، التجريد من الإنسانية. وما جرى بحق العلويين والدروز ليس بعيدًا عن هذا السياق، بل هو جرس إنذار لكل من يظن أن النار ستتوقف عند حدود الآخرين.
حين تُطلق لغة “الهيبة” و”استعادة الدولة” بلا عقد اجتماعي، وبلا ضمانات، وبلا شراكة حقيقية، فإنها لا تعني إلا شيئًا واحدًا: سحق المختلف، وتدجين المكوّنات، وإعادة إنتاج سلطة الإقصاء بلباس جديد. والكرد يعرفون، أكثر من غيرهم، ماذا يعني أن تُعرّف الدولة نفسها على حسابك، وأن تُختزل الوطنية في إنكارك، وأن تتحول حقوقك إلى تهمة.
من هنا، فإن الوقوف مع قسد اليوم ليس دفاعًا عن تنظيم، بل دفاع عن فكرة الحماية في لحظة انكشاف. هو انحياز للواقع كما هو، لا كما نتمنى. لكنه في الوقت ذاته موقف مشروط، لا يقبل الاستسلام للأمر الواقع، ولا الصمت عن الخلل، ولا القبول باستمرار عقلية الاحتكار.
إن أكبر خطر يهدد قسد اليوم ليس خصومها فقط، بل أيضًا احتمال أن تنغلق على نفسها، وأن تتعامل مع اللحظة التاريخية بعقلية تنظيمية ضيقة، وأن تؤجل استحقاقات الوحدة الكردية بحجج أمنية أو سياسية. المرحلة لا تحتمل الإقصاء، ولا تحتمل تجاهل بيشمركة روج، هؤلاء الذين هم جزء من النسيج الكردي السوري، وليسوا ورقة خارجية أو عبئًا عسكريًا. تجاهلهم ليس ضعفًا فقط، بل خطيئة استراتيجية.
نحن بحاجة إلى قوة كردية موحّدة، لا تتصارع داخلها البنادق، ولا تتنازعها الولاءات، قوة بعقيدة دفاعية واضحة، تحمي الأرض والناس، لا التنظيمات، وتكون في خدمة المشروع الكردي، لا العكس. قوة تعرف أن السلاح بلا رؤية يتحول إلى لعنة، وأن القوة بلا شراكة تُستنزف من الداخل قبل أن تُهزم من الخارج.
القضية اليوم لم تعد قضية قسد أو حزب أو إدارة. القضية هي وجود شعب يريد أن يعيش بكرامة، لا أن يُستباح باسم الوحدة، ولا أن يُقايَض أمنه بصفقات مؤقتة، ولا أن يُطلب منه تسليم أوراق قوته قبل أن تُكتب حقوقه في عقد اجتماعي واضح. من يطالب الكرد بنزع السلاح قبل ضمان الحقوق، إنما يطالبهم بالمشي حفاة في حقل ألغام.
في هذه اللحظة، يصبح الخلاف ترفًا قاتلًا إن لم يُدار بحكمة، وتصبح الشعارات عبئًا إن لم تُترجم إلى حماية حقيقية. ليس المطلوب أن نُحب قسد، بل أن نفهم لماذا نحتاجها الآن، ولماذا يجب في الوقت ذاته أن نضغط عليها لتتغيّر، لا أن نكسرها ونترك الفراغ يبتلعنا.
التاريخ لا يرحم الشعوب التي فشلت في قراءة لحظتها. والكرد، إن أخطأوا التقدير اليوم، قد لا يُمنحون فرصة ثانية. لذلك، فإن الوقوف مع قسد هو وقوف مع بقاء الحد الأدنى من الأمان، ومع منع السيناريو الأسوأ، ومع كسب الوقت لإعادة بناء المشروع الكردي على أسس أكثر صلابة.
في النهاية، لا يُسأل المرء في مثل هذه اللحظات: مع من أنت؟
بل يُسأل: هل اخترت بقاء شعبك أم نقاء موقفك؟
هل فضّلت حماية الوجود أم ترف الانقسام؟
وأنا، في هذه اللحظة القاسية، أختار أن أقف حيث يجب أن نقف:
مع حماية الوجود، لا مع الأخطاء.
مع الضرورة، لا مع القداسة.
مع تصحيح المسار، لا مع الهدم.
ومع وحدة القوة قبل أن يصبح الندم بلا جدوى.