الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزيرة – 4/6

د. محمود عباس

 

في الماضي كانوا يهاجموننا من الخارج، واليوم يريدوننا أن نضرب أنفسنا بأنفسنا، بتحويل العشائر والعائلات الكوردية إلى أدوات صراع. إنها هندسة فتنة، تُدار بالأوامر، وتُنفَّذ بالغرور، وتُوقَّع زيفًا باسم «الغيرة على التاريخ».

المخطط، في جوهره، مرعب وكارثي، لأنه يبدأ بالطعن في البنية الاجتماعية، لكنه ينتهي حتمًا بضرب البعدين السياسي والعسكري. فعندما يُفتَّت المجتمع، ويُزرع صراع داخلي قائم على قناعة كل طرف بأنه «يدافع عن ذاته» ضد طرف كوردي آخر، يتحول النزاع إلى صراع تدميري مزدوج، جهل من جهة، ودهاءً مقصود من جهة أخرى. الجهل يتمثّل في عدم إدراك ما يُحاك، والدهاء في توجيه الطعن من العائلة إلى العشيرة، ومن تاريخ الآباء والأجداد إلى الحاضر، بحيث يُمحى تاريخ الأمة، ويطفو على سطح الوعي تاريخ العائلة وحدها، بكل ما يحمله من صور نمطية وروايات متوارثة غير ممحّصة.

الفكرة التي يقوم عليها هذا المخطط بسيطة في ظاهرها، لكنها شيطانية في نتائجها، محاربة المجتمع الكوردي عبر الطعن في العائلات والعشائر، وخلق صراعات التفاضل والتباهي، وتشويه سمعة بعضها، وتعويم تاريخ بعضها الآخر. وبهذا يُعاد رسم خطوط الصراع، من سيهاجم، ومن سيدافع، ومن سيُستَدرَج إلى موقع الخصومة. ومع الزمن، ومع التغذية المستمرة بالمفاهيم السامة، يتحوّل الخلاف إلى عداء اجتماعي، ثم إلى كتل عشائرية متصارعة، تُستخدم لاحقًا لتفكيك البنية السياسية للأمة، وإضعاف الحراك السياسي الكوردي.

وعند هذه النقطة، يصبح من السهل قيادة شخصيات تتحكّم بالعائلة أو العشيرة، عبر التمجيد من جهة، والطعن من جهة أخرى، لتُستكمَل الحلقة الجهنمية للمخطط. والغاية النهائية، التي لا يجب أن تغيب عن الوعي، هي الطعن في التاريخ الكوردي ووجوده في الجزيرة الكوردستانية، تمهيدًا لإخراج الجزيرة من خارطة كوردستان، وزرع سردية تاريخية عروبية بديلة فيها، تُمرَّر هذه المرة لا عبر الهجوم المباشر، بل عبر مديح انتقائي لبعض العائلات والعشائر الكوردية نفسها، في واحدة من أخطر عمليات التفكيك الناعم التي تستهدف الأمة من داخلها.

لكن الأخطر في هذا المخطط لا يتوقف عند حدّ الطعن المباشر، بل يتعدّاه إلى عملية أكثر خبثاً وتعقيدًا، تقوم على نقل التاريخ الكوردي من موضعه الطبيعي في الجزيرة إلى عمقٍ كوردستاني مجرّد، ثم تقطيع الجزيرة عنه، بالتوازي مع تزوير تاريخي منظّم يُعيد توطين القبائل العربية فيها عبر أرشيف مُفبرك، وصور مصنوعة، ووثائق كُتبت حديثًا، وتُقدَّم بوصفها “حقائق تاريخية”.

ويجري اليوم الترويج، بوقاحة معرفية، لفكرة أنّ العشائر العربية التي هربت من منطقة حائل بعد هزيمتها أمام قبيلة عنزة وآل سعود، في الفترة ما بين 1885 و1910م، كانت تسكن الجزيرة الكوردستانية وأطراف ماردين منذ قرون، في حين يُعاد توصيف العشائر الكوردية العريقة، التي كانت مراعيها ممتدّة من الجزيرة حتى مصبّ الخابور في الفرات، على أنها عشائر “وافدة” و“مهاجرة” إلى المنطقة. وفي المقابل، يُصار إلى تمجيد عشائر كوردية حديثة العهد بانتقالها من العمق الكوردستاني إلى غربه، ليس بوصف ذلك حركة طبيعية داخل الجغرافيا الكوردستانية الواحدة، بل كأداة للطعن في تاريخ عشائر كوردية أخرى.

وهنا لا تكمن الإشكالية في انتقال الكوردي داخل أرضه؛ فالشعب الكوردي صاحب الجغرافيا، وتنقّلاته التاريخية داخل كوردستان لا مَنّة فيها لأحد. إنما الخبث الحقيقي يكمن في استخدام هذا الانتقال بوصفه أداة تفضيل وتمجيد انتقائي، يُقصد به الطعن في الآخرين، وخلق صراع كوردي–كوردي داخلي، في الوقت الذي يُتغاضى فيه عمدًا عن حقيقة أنّ توطين القبائل العربية في الجزيرة لم يتجاوز نهر الفرات إلا بعد بدايات انهيارهم في منطقة حائل أمام آل سعود.

 

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

14/12/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…