القضية الكردية: من عدالة القضية إلى فاعلية القوة في النظام الدولي

شادي حاجي
في عالم لا تُكافأ فيه القضايا بعدالتها، بل بقدرتها على التأثير في موازين القوة والاستقرار، تجد القضية الكردية نفسها أمام اختبار تاريخي صعب. فالنظام الدولي المعاصر لا يعمل بمنطق الإنصاف، بل بمنطق المصالح وإدارة المخاطر، حيث لا مكان فعلياً إلا للفاعلين القادرين على تنظيم قوتهم، وتوحيد قرارهم، وتقديم أنفسهم بوصفهم جزءاً من الحل، لا عبئاً على معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
يحكم النظام الدولي اليوم اختلالٌ متزايد في توازن القوة الصلبة والناعمة، بعدما كان يُدار سابقاً ضمن معادلات توازن معقّدة. فقد أظهرت حوادث مفصلية، كاعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته، أن قواعد الردع التقليدية لم تعد فاعلة، وأن قدرة بعض الدول على تجاوز الأعراف الدولية باتت تعكس نظاماً أقرب إلى الفوضى المقنّعة منها إلى التوازن. وفي هذا السياق، لم تعد القضايا السياسية تُقاس بمدى عدالتها أو عمق مظلوميتها التاريخية، بل بقدرتها على التكيّف مع ميزان قوة مختلّ لا يعترف إلا بالمصالح المباشرة. ومن هنا، لا يمكن فهم موقع القضية الكردية إلا ضمن هذا الواقع الدولي القاسي، الذي لم يعد يفرض قواعده على الجميع بالتساوي، بل يعيد إنتاجها وفق منطق الغلبة لا الشراكة.
تُعدّ القضية الكردية من أكثر قضايا الشرق الأوسط تعقيداً، ليس فقط بسبب تشظي الجغرافيا الكردستانية بين أربع دول، بل بسبب تداخلها العضوي مع المصالح الأمنية والسياسية لتلك الدول، التي تمتلك عناصر القوة الشاملة وتحظى بتحالفات إقليمية ودولية فاعلة. وقد مكّنها ذلك من إبقاء القضية الكردية ضمن إطار أمني داخلي، ومنع تحوّلها إلى قضية سياسية دولية مكتملة الأركان.
غير أن العامل الخارجي ليس وحده المسؤول عن هذا الواقع. فغياب كيان سياسي كردي موحّد، وتشتّت القرار الاستراتيجي، واستمرار الانقسامات الحزبية، كلها عوامل بنيوية أضعفت القدرة الكردية على الفعل الدولي. وفي ظل نظام دولي تحكمه الواقعية السياسية، فإن الفاعل غير المنظّم، مهما كانت قضيته عادلة، يظل عاجزاً عن تحويل حقوقه المشروعة، بما فيها حق تقرير المصير، إلى مطالب قابلة للتفاوض على طاولة السياسة الدولية.
إن بناء قوة داخلية كردية متماسكة يشكّل الشرط الأول لأي إعادة تموضع استراتيجي، لكن هذه القوة لا ينبغي اختزالها في بعدها العسكري أو التنظيمي. فالقوة، في مفهومها الشامل، تعني الشرعية السياسية، ووحدة التمثيل، والقدرة على إنتاج خطاب عقلاني وبراغماتي قابل للتسويق دولياً. فالقضية الكردية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات أو التعبئة العاطفية، بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التفاوض، وصياغة المصالح، وإدارة العلاقات الدولية بواقعية. وعليه، فإن تبنّي مقاربة سياسية براغماتية لم يعد خياراً تكتيكياً، بل ضرورة استراتيجية. هذه المقاربة تقتضي إدارة الخلافات الداخلية ضمن أطر مؤسسية، والانتقال من منطق ردّ الفعل إلى الفعل المبادر، وتوسيع شبكة التحالفات الدولية بطريقة مرنة تراعي توازنات الإقليم وحساسيات الفاعلين الدوليين. كما تتطلّب تقديم الوجود الكردي بوصفه عنصر استقرار وشريكاً محتملاً في إدارة الأزمات، لا مصدر تهديد دائماً.
في المقابل، فإن نقل الصراع إلى المجال العسكري، في ظل غياب توازن قوى فعلي أو غطاء دولي واضح، يبقى خياراً عالي المخاطر، غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية. غير أن تغليب أدوات السياسة والدبلوماسية لا يعني التخلي عن عناصر القوة الصلبة، بل إعادة تعريف دورها بوصفها أداة ردع وحماية، لا وسيلة فرض أو مغامرة غير محسوبة. فالدبلوماسية الفاعلة لا تُمارَس من موقع ضعف، كما أن القوة غير المنضبطة سياسياً تتحوّل سريعاً إلى عبء على أي مشروع قومي.
ختاماً، إن مستقبل القضية الكردية لا يُصاغ بالانتظار ولا بالمواجهة المفتوحة، بل ببناء قوة داخلية رشيدة، واستراتيجية سياسية ذكية، ودبلوماسية نشطة تعرف كيف توازن بين المبادئ والواقع. قد يكون هذا الطريق هو الأصعب، لكنه يظل الطريق الوحيد القادر على نقل القضية الكردية من هامش الصراعات إلى قلب التفاهمات الدولية.
وإلى مستقبل أفضل

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إبراهيم اليوسف قبل كل شيء، أبين أنني منذ بداية المقتلة السورية 2011 أسجل، وقفي ضد آلة الحرب، إلا أنني كما غيري لابد من أن يكون لي موقفي من حالة الدفاع عن الذات.هكذا، تماماً، وقفت مع- الجيش الحر- عندما كان حراً، غير ممسوخ في المختبر التركي- القطري وغيرهما، في مواجهة آلة القتل الأسدي، كما إنني أحد هؤلاء الذين دعوا ويدعون وسيدعون…

عنايت ديكو لم يعد ما يتعرّض له الكورد في سوريا مجرّد فصلٍ عابر من فصول الحرب الطويلة، بل دخلنا اليوم طوراً أخطر، يمكن تسميته بوضوح: النزوح السياسي للكورد. نزوحٌ… لا يشبه سابقَيه، لا في السياق ولا في الأدوات ولا في الأهداف، بل في كونه نتاج قرارٍ سياسيٍّ إقليمي ودولي مُسبق، لا نتيجة اشتباكٍ عفوي أو خطأ ميداني. عادةً، في…

نظام مير محمدي * يواجه النظام الإيراني اليوم وضعاً عصيباً لم يسبق له مثيل طوال الـ ٤٧ عاماً الماضية. ورغم أن السلطة في طهران لم تتفاجأ باندلاع الانتفاضة الحالية — نظراً لتراكم العوامل الموضوعية لانفجارها — إلا أن ارتباكها في التعامل مع الزخم الشعبي المتصاعد منذ ۲۸ ديسمبر ۲۰۲۵، يعكس عجزاً بنيوياً في إدارة الأزمة. لقد أثبتت الأيام…

سليمان سليمان في خضم التصعيد العسكري الذي تشهده مدينة حلب، ولا سيما الهجمات التي تنفذها الفصائل الإرهابية التابعة لحكومة محمد الجولاني والمدعومة بشكل مباشر من الدولة التركية راعية الإرهاب في المنطقة ضد الأحياء الكوردية في الشيخ مقصود والأشرفية، تتصاعد حالة القلق لدى شريحة واسعة من الناس مع تداول توقعات عن احتمال تخلي الولايات المتحدة عن الكورد لصالح ترتيبات جديدة…