ما بين اللامركزية المخادعة و الفيدرالية الضامنة

عاصم أمين

يُطرح مشروع النظام اللامركزي السياسي، أو ما يُسمّى بنظام الإدارة المحلية، في السياق السوري بوصفه حلاً وسطاً بين المركزية الصارمة والتفكك، غير أنّ هذا الطرح، عند تفكيكه نظرياً ودستورياً، يكشف عن إشكالية عميقة تتعلّق بطبيعة السلطة والسيادة والحقوق. فاللامركزية غير الفيدرالية لا تمس جوهر الدولة المركزية، بل تُعيد إنتاجها بصيغة أكثر ليونة، من دون أن توفّر ضمانات حقيقية للمكونات والقوميات المتعددة، ولا تحصّن مكتسباتها من نزعة الارتداد الدائم إلى المركز.

في النظام اللامركزي السياسي، تبقى السيادة حكراً على السلطة المركزية، ويظل البرلمان المركزي هو المصدر الأعلى للتشريع وتوزيع الصلاحيات. إنّ الصلاحيات الممنوحة للإدارات المحلية في هذا النموذج هي صلاحيات مفوّضة وليست أصيلة، أي أنّها قابلة للسحب أو التقليص أو التعطيل متى ما تغيّرت موازين القوى السياسية في العاصمة. وبما أنّ الدستور ذاته يخضع لإرادة الأغلبية البرلمانية في المركز، فإنّ تعديل النصوص الدستورية لصالح إعادة تركيز السلطة يبقى احتمالاً قائماً، بل ومتاحاً قانونياً، مهما بلغت خطورة ذلك على التوازن الوطني.

من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار اللامركزية السياسية غير الفيدرالية إطاراً آمناً لحماية الحقوق الدستورية للمكونات المختلفة. فهي لا تعترف بالتعدد بوصفه أساساً بنيوياً في الدولة، بل تتعامل معه كحالة إدارية مؤقتة، تُدار وفق ما تراه السلطة المركزية مناسباً لمصالحها. وهنا تكمن الإشكالية الفلسفية للنموذج: إذ يُبقي الدولة في موقع الوصي، والمجتمعات المحلية في موقع التابع، مهما توسّعت صلاحياتها الشكلية.

في المقابل، يقوم النظام الفيدرالي على تصور مغاير للدولة والسيادة. فالفيدرالية لا تعني تفكيك الدولة، بل إعادة تعريفها بوصفها شراكة دستورية بين أقاليم تتمتع بحقوق أصلية غير مشتقة من المركز. هذه الحقوق تُكرَّس في الدستور بوصفها جزءاً من العقد التأسيسي للدولة، ولا يمكن إلغاؤها أو الانتقاص منها بإرادة أحادية من العاصمة أو بالأغلبية العددية. بذلك تصبح الأقاليم شريكاً فعلياً في القرار والسيادة، لا مجرد وحدات إدارية موسّعة.

يوفّر هذا النموذج درجة عالية من الأمان السياسي والقانوني للمكونات المتعددة، لأنه يحدّ من هيمنة المركز، ويمنع تحوّل الأكثرية العددية إلى أداة لفرض إرادتها على بقية الشركاء. فالفيدرالية، في جوهرها، آلية توازن لا امتياز، وهي إطار لضمان الاستقرار عبر توزيع السلطة، لا عبر تركيزها. ومن هنا تنبع أهميتها في مجتمعات تعاني من تاريخ طويل من الإقصاء والصراع على الهوية والسلطة، كما هو الحال في سوريا.

إنّ طرح نظام لامركزي سياسي غير فيدرالي في سوريا، في ظل غياب الثقة التاريخية بين المركز والمجتمعات المحلية، لا يمكن فهمه إلا بوصفه حلاً ناقصاً، بل وخطيراً. فهو يمنح انطباعاً بالإصلاح، من دون أن يغيّر البنية العميقة للسلطة، ويترك الباب مفتوحاً أمام إعادة إنتاج الاستبداد بأدوات قانونية جديدة. لذلك، فإنّ هذا الطرح لا يلبّي الحقوق المشروعة للمكونات السورية، ولا يؤسس لعقد اجتماعي عادل ومستدام، بل يشكّل فخاً سياسياً قد يؤجّل الأزمة من دون أن يحلّها.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…