في ظل غياب الشفافية بين دمشق و”قسد”: تفاهمات تحت خط النار؟

اكرم حسين

رغم مرور عدة أشهر على توقيع اتفاق العاشر من آذار 2025 بين السلطة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تبقى التفاصيل الحقيقية لما يجري في أروقة التفاوض عائمة ، يحجبها نوع من الغموض وغياب الشفافية. ففيما يُعلَن عن جولات تفاوضية متتالية، لا يصل إلى الرأي العام السوري والمحلي سوى أصداء متناقضة وتصريحات دبلوماسية مطاطة ، تتناقض تناقضاً صارخاً مع استمرار التوترات الميدانية واشتعال خطاب التحريض الطائفي والقومي. هذا التناقض بين المسار الظاهري للمفاوضات والواقع المتوتر يدفع إلى طرح تساؤلات عملية : هل تجري فعلاً حوارات حقيقية؟ أم أن الأمر برمته مجرد كسب الوقت؟ ثم ما طبيعة التفاهمات السرية التي قد أُبرمت بعيداً عن الأنظار؟

يبدو للمتابع بأن الاتفاق، الذي وُقّع برعاية دولية ووُصف في حينه بـ”التاريخي”، وُلِد وهو يحمل في داخله بذور “الاستعجال والغموض ” . فقد تجلّى التعارض الجوهري بسرعة بين رؤية دمشق المركزية الصارمة التي تهدف إلى استعادة السيطرة الكاملة على الجغرافيا والمقدرات، ورؤية “قسد” التي تسعى للحفاظ على كيانها السياسي والعسكري ككتلة موحدة ضمن نظام لا مركزي. هذا الخلاف حول مفهوم الدولة نفسها وشكل الحكم ،  حوّل المفاوضات إلى حوار طرشان، حيث يبدو أن كل طرف ينتظر تنازل الآخر دون أن يقدّم هو أي تنازل جوهري ،  وفي ظل هذا الجمود، يطفو السؤال الملحّ على السطح : ما الذي تُناقشه الأطراف في تلك الاجتماعات المغلقة إذا كانت الملفات الأساسية من دمج القوات والموارد والسيادة والاعتراف والمشاركة ، عالقة؟

وفي ذات السياق ، لا تقتصر أزمة الشفافية على غياب النتائج الملموسة فحسب، بل تتجلى أيضاً في الخطاب المزدوج والمتناقض الذي تتبناه الأطراف. ففي الوقت الذي تتهم فيه دمشق “قسد” بالمماطلة ورفض الاندماج الحقيقي، تُعيد “قسد” الاتهام وتشير إلى تعنت الحكومة وعدم جديتها في منح الحقوق الدستورية والثقافية واللامركزية ، والأكثر إثارة للريبة هو الصمت الرسمي للسلطة الانتقالية إزاء موجة التحريض الطائفي والقومي الآخذة في التصاعد، والتي تستهدف بشكل علني مكونات مثل العلويين والدروز، ناهيك عن الخطاب العدائي المتوارث تجاه الكرد .

ان  هذا الصمت لا يمكن تفسيره إلا كإشارة ضمنية  بأن هذا الخطاب قد يكون مسموحاً به، كوسيلة للضغط السياسي والشعبي من اجل تقديم التنازلات . على الرغم من أن ـالبند السابع -من الاتفاق – يدعو صراحة إلى (رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كافة مكونات المجتمع السوري).

وفي قلب هذا المعمعة ، تبرز قضية التهميش السياسي لأغلبية سكان مناطق النزاع أنفسهم. فالمفاوضات، كما يبدو، تدور بشكل حصري تقريباً بين النخبة العسكرية والسياسية  في “قسد” وبين ممثلي السلطة في دمشق، بينما يُغيّب تماماً ممثلو المكون الكردي الذي يشكّل الغالبية السكانية في المنطقة الكردية ، ونسبة من مقاتلي “قسد” أنفسهم . كما أن استبعاد مناطق سيطرة “قسد” وكذلك محافظة السويداء الدرزية من العملية الانتخابية الأخيرة، يرسل رسالة خاطئة   بأن مصير هذه المناطق ومستقبلها يُقرّر في غرف مغلقة بعيداً عن إرادة سكانها. هذا النمط من الحوارات السرية، يستبعد القوى المجتمعية الحقيقية، ولا يؤسس لسلام دائم، بل يكرس نموذجاً من التسويات الهشة بين النخب، قابلة للانفجار في أي لحظة عند تغير موازين القوى.

والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه في ظل هذا المشهد المضطرب: ما الهدف الحقيقي وراء استمرار هذه الحالة  ؟ قد تكمن الإجابة في حاجة جميع الأطراف، بما فيهم الراعي الدولي، إلى إدارة الأزمة دون حلها. فالسلطة الانتقالية قد تجد في المفاوضات المطولة غطاءً لتعزيز شرعيتها الدولية وكسب الوقت لتحسين أوضاعها، بينما قد ترى “قسد” فيها حلاً مؤقتاً للحفاظ على شيء من وجودها تحت ضغوط هائلة ،  وفي الوقت نفسه، قد يخلق مناخ الاستقطاب والكراهية والغموض بيئة مثالية لإبرام تفاهمات سرية، قد تتراوح بين تقاسم للنفوذ المحلي وترتيبات أمنية مؤقتة واتفاقيات حول عوائد الموارد، كلها بعيداً عن أعين الشعب ومساءلته.

ان غياب الشفافية في مفاوضات آذار ليس عبارة عن خلل تقني في التواصل، أو الأهداف ، بل هو استمرار لمرض أعمق في جسد السياسة السورية. فهو يعكس غياب رؤية وطنية جامعة، واستمرار لمنطق الهيمنة والاقصاء، وإخفاء الفشل في معالجة القضايا الجوهرية للدولة والسلطة والمواطنة ، وما لم يتم كسر هذه الحلقة ، وفتح حوار وطني حقيقي وشامل تحت سقف من الشفافية والمشاركة الواسعة لكل المكونات، وبما يضع حداً للتحريض ويُؤسس لمواطنة متساوية، فإن أي اتفاق، مهما بدا مفصّلاً، سيبقى حبراً على ورق، وقنبلة موقوتة تحت أنقاض دولة لم تُبنَ بعد.!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…