تقرير خاص – ولاتي مه
كاراكاس | واشنطن | وكالات
في تطور غير مسبوق، أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية أدت إلى اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد، في خطوة أثارت جدلا قانونيا وسياسيا واسعا، وأعادت إلى الأذهان غزو بنما عام 1989 واعتقال الجنرال مانويل نورييغا. التقرير التالي يسلط الضوء على الأسباب والأهداف والمصوغات، ويقارن بين الحالتين، ويتناول تداعيات الحدث على إيران واحتمالات تكرار السيناريو.
أولا: ما الذي حدث؟
أعلنت الإدارة الأمريكية أن قوات خاصة نفذت عملية خاطفة داخل الأراضي الفنزويلية أسفرت عن اعتقال مادورو، متهمة إياه بإدارة شبكة عابرة للحدود لتهريب المخدرات والتعاون مع منظمات إجرامية مصنفة. في المقابل، وصفت كراكاس العملية بأنها عدوان عسكري وانتهاك صارخ للسيادة الوطنية.
ثانيا: الأسباب والمصوغات الأمريكية
تستند واشنطن إلى مجموعة من المبررات، أبرزها:
-
اتهامات تهريب المخدرات وغسل الأموال واعتبارها تهديدا مباشرا للأمن القومي الأمريكي.
-
تصنيف شبكات مرتبطة بالحكومة الفنزويلية كمنظمات إرهابية، ما يفتح الباب أمام استخدام القوة خارج الحدود.
-
فشل المسار الدبلوماسي والعقوبات في إحداث تغيير سياسي داخلي.

وزارة العدل الأمريكية: ملفات اتهام قديمة أعيد تفعيلها لتبرير العملية.
ثالثا: الأهداف المعلنة وغير المعلنة
-
إسقاط ما تصفه واشنطن بـ«نظام غير شرعي».
-
توجيه رسالة ردع لحلفاء فنزويلا في أمريكا اللاتينية وخارجها.
-
إعادة ترتيب النفوذ في دولة غنية بالنفط والموارد الطبيعية.
رابعا: المقارنة مع اعتقال نورييغا (1989)
تتشابه الحالتان في:
-
ذريعة مكافحة المخدرات كأساس قانوني وإعلامي.
-
التدخل العسكري المباشر دون تفويض دولي صريح.
وتختلفان في:
-
السياق الدولي: نورييغا في نهاية الحرب الباردة، ومادورو في عالم متعدد الأقطاب.
-
ردود الفعل الدولية: انقسام أشد اليوم ورفض أوسع لمبدأ التدخل.

الجنرال نورييغا عام 1989 – سابقة تاريخية تعود إلى الواجهة.
خامسا: ماذا يعني ذلك لإيران؟
أثار اعتقال مادورو قلق طهران، التي رأت فيه سابقة خطيرة. إلا أن المقارنة تكشف فروقا جوهرية:
-
إيران تمتلك قدرات عسكرية وردعية أكبر بكثير.
-
موقعها الجيوسياسي يجعل أي تدخل مباشر محفوفا بتصعيد إقليمي واسع.
هل يمكن تكرار السيناريو ضد خامنئي؟
بحسب تقديرات خبراء، فإن تطبيق نموذج فنزويلا على إيران يبدو غير واقعي في المدى المنظور، لما قد يترتب عليه من حرب إقليمية شاملة وتداعيات دولية كبرى.

إيران تراقب التطورات… ومخاوف من توسيع منطق “الاعتقال بالقوة”.
سادسا: مستقبل الحكم في فنزويلا وتداعياته الإقليمية
يفتح اعتقال نيكولاس مادورو الباب أمام مرحلة شديدة التعقيد في فنزويلا، حيث يتوقع صراع داخلي على السلطة بين المؤسسة العسكرية، وقوى الحكم السابقة، والمعارضة المدعومة خارجيا، ما قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني. هذا الفراغ المحتمل يثير قلق دول الجوار، خصوصا كولومبيا التي تخشى تصاعد موجات الهجرة غير الشرعية، وانتعاش الجماعات المسلحة العابرة للحدود وتجار المخدرات. أما كوبا، الحليف التقليدي لكراكاس، فقد تتأثر بشدة نتيجة فقدان الدعم النفطي والاقتصادي، ما يزيد من أزماتها الداخلية. وعلى مستوى أمريكا الجنوبية عموما، قد تعيد التطورات رسم خريطة التحالفات الإقليمية، وتعزز الاستقطاب بين دول ترى في التدخل الأمريكي تهديدا للسيادة، وأخرى تعتبره فرصة لإضعاف الأنظمة اليسارية، الأمر الذي ينذر بمرحلة جديدة من التوتر وعدم اليقين في القارة.
يمثل اعتقال نيكولاس مادورو منعطفا خطيرا في العلاقات الدولية، يعيد طرح أسئلة كبرى حول السيادة، والقانون الدولي، وحدود استخدام القوة. وبينما تستحضر واشنطن نموذج نورييغا، يبقى تعميم التجربة على دول كبرى مثل إيران أمرا بالغ الخطورة وغير مضمون النتائج.