صمت النخب الكردية عن الانتداب الفرنسي وفشل الرؤية السياسية المستقلة

عبدالعزيز قاسم 
ليس غياب النقاش حول مرحلة الانتداب الفرنسي في التاريخ الكردي السوري مجرد سهو أكاديمي، بل هو صمت سياسي مقصود. فالنخب الكردية، الثقافية والحزبية، تجنبت الخوض الصريح في الخلافات التي كانت قائمة بين الكتل الكردية نفسها: الكتلة الوطنية/الكردية/ التابعة للمشروع القومي العربي، والكتلة الكردية التي راهنت على الفرنسيين وطرحت مشاريع حكم ذاتي، إضافة إلى كتلة الشيوعيين الكرد التي شيطنت الكتلة الكردية الفرنسية تلقائيا من خلال محاربة الفكر القومي الكردي المستقل.
فهل هذا التجنب كان بدافع الجهل، أو خوفاً من كسر السردية السائدة، أو لمصالح فئة معينة من الكرد؟
نعلم تماماً بعد فترة الانتداب، فرضت سردية رسمية تعتبر الكتلة الوطنية العربية الممثل الوحيد “للوطنية السورية”، وحرمت وأجرمت أي محاولة لقراءة بديلة للتاريخ بوصفها تبريراً للاستعمار. وبدل أن تواجه النخب الكردية هذه السردية، انخرطت فيها أو صمتت عنها، فتم تقديم الكتلة الوطنية/الكردية/ كنموذج وطني مثالي، بينما مسحت من الذاكرة الكتلة الكردية الفرنسية وأي محاولة كردية مستقلة للتفكير بالحكم الذاتي أو بصيغة سياسية مختلفة.
هذا الصمت التاريخي انعكس مباشرة على الحاضر، فشل الكرد في بلورة رؤية سياسية واضحة لمستقبلهم لم يكن قدراً، بل نتيجة طبيعية لغياب نقد الماضي. لم تنتج برامج سياسية حقيقية، ولم تطرح أسئلة جوهرية حول شكل الحكم والعلاقة مع الدولة، بل جرى الاكتفاء بخطاب عام ومطمئن للسلطة. السياسة تحولت إلى منطقة محرمة، فانسحب المثقف الكردي إلى الشعر، وغالباً باللغة العربية، لا تعبيراً عن خيار ثقافي حر، بل كبديل آمن عن الموقف السياسي الواضح.
واللافت أن الخطاب الحزبي الكردي لم يكتفِ بالصمت، بل للاسف جامل الخطاب الرسمي للدولة السورية، وكرر تمجيد الكتلة الوطنية العربية وبعص الكرد المخدوعين/هنانو ويوسف العظمة وبياندور …، وتجاهل تماماً أي سردية بديلة عن مشاريع الحكم الذاتي التي طرحت زمن الانتداب. هكذا فضلت الأحزاب الكردية، المحرومة من الشرعية القانونية، البقاء على حساب الحقيقة، والاستمرار على حساب النقد والبقاء ضمن سردية لاتعترف بالكرد اصلا.
والسؤال الذي يطرحه نفسه اليوم: إلى متى تبقى النخب الكردية أسيرة لسردية غيرها؟
مع العلم أن المشكلة، ليست في نقص المثقفين الكرد، وانما في كونهم أسرى سردية لا يملكونها. ومن دون كسر هذا الأسر، والاعتراف بأن للكرد تاريخاً سياسياً متعدداً لا رواية واحدة، سيبقى الخطاب الكردي يدور في حلقة مفرغة، يطالب بالمستقبل وهو عاجز عن مواجهة ماضيه، ولاشك فيه أن صمت النخب الكردية عن دور الكتلة الكردية الفرنسية في عهد الانتداب الفرنسي انعكس سلبا والى يومنا على الجرأة في طرح القضية الكردية كقضية قومية وكذلك لدرجة ما إلى فشل الكرد في تشكيل وبلورة رؤية سياسية كردية مستقلة وطرح القضية الكردية كقضية شعب يعيش على أرضه التاريخية، واستبدال كردستان الجزء الملحق بالدولة السورية بمصطلحات وتسميات أخرى مثل شمال شرق سوريا أو غيرها من التسميات التي تخلو من أي طابع قومي لهذه المنطقة الكردية.
من هنا; وبعد نحو قرن من الزمن، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة تجربة الكتلة الكردية الفرنسية بوصفها مشروعا قوميا تحرريا مستقلا، سعى إلى بناء كيان كردي خاص، في مقابل تيار كردي آخر راهن على الاندماج ضمن الدولة السورية. ولعلّ ما نشهده اليوم يؤكد مقولة ابن خلدون بأن التاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…