الكرد وميثاق الصف الواحد وضرورة منع الانزلاق إلى فخاخ سلطة دمشق الانتقالية

إبراهيم اليوسف

يهدد راهن اللحظة التي نمر بها خطر كبير جد واضح، إذ تتكاثر الإشارات التي توحي بتحرك فردي من لدن أشخاص ولربما أطراف كردية نحو سلطة دمشق الانتقالية، من دون اتفاق جماعي، رغم أهمية الحوار الوطني، فيما لو توافرت شروطه، وكأن الطريق المفتوح نحو عاصمة بلدهم لا يحتاج سوى قرار محض فرد- مهما تواضعت تجربته وتاريخه مقابل بهلوانيته النهازة- جاءته غواية منصب، أو وعد مكتوم، أو هامش يتيح له اختصار قومه كله في مصلحته للظفر بمقعد واحد. وتنشأ الخطورة حين يتحول المسعى الفردي إلى عبء كارثي- مستقبلاً-على شعب كامل، حيث يُسوَّق هذا الذاهب- أياً كان- على أنه ممثل لشعبه سياسياً أو ثقافياً أو إعلامياً، رغم معرفة من حوله بهشاشته وانهياره أمام المكاسب، أية كانت الجهة المانحة، بينما يقف الكرد الحقيقيون خارج الصورة، يستمعون لصوت لا يشبههم، ولا يعكس تاريخهم، وإنما يردد ما يُملى عليه، كأنه صدى لجدار لا مرآة لوجدان.

انطلاقاً من هذا يتأكد لنا جميعاً أن الحاجة إلى ميثاق داخلي ليست ترفاً بل حصناً كردياً لا بد منه، إذ إن اللحظة تسمح لدوائر النفوذ في دمشق بأن تنتقي، ثم تستفرد، ثم تعيد تشكيل الوجوه في صورة تلائم تكوينها الأميل إلى خليط عجيب من المتناقضات والمتنافرات.

وهكذا يخرج علينا من يحمل اسماً كردياً، لكنه يؤدي دوراً لا يشبه الكرد، ويشارك في توزيع الإيحاءات المدبرة: ينتقد قومه بلهجة لا تحمل حرصاً بل تحمل نبرة من جرى إعداده ليقول ما لا يعتقده. وفي لحظة ما، يتحول بعض هؤلاء إلى ببغاوات يكررون ما يملى عليهم مما تتم كتابته لهم، متوهمين أو مموهين أنهم يدافعون عن ذويهم، بينما هم يدفعون بني جلدتهم إلى شعور إضافي بالخذلان.

وكلنا يدري أن ما جرى ويجري في دمشق- الآن- ليس سوى تبدل وجوه بأخرى مماثلة، لكن الأسلوب واحد، إذ يتم فتح الباب لفرد أو جماعة صغيرة أو كبيرة، ثم إغلاقه. إذ إن أي سلطة تمر بمرحلة انتقالية تعرف قيمة استمالة الصوت المنفلت من جماعته، وتعرف أن الإيهام بالتمثيل أخطر من نفيه. وإنما يتعزز هذا الأسلوب حين تظهر شريحة من الكرد الذين يتحركون وفق مصلحة آنيّة، كأنهم في سباق للوصول إلى مقاعد لا تملك شرعية، ولا تستند إلى تفويض، ولا تستحضر صورة الشعب الذي يقدم اسمه قرباناً لكل هذه المسرحيات.

من هنا نرى أن الحركة الكردية تحتاج إلى إعادة نظر في تمثيلها، لا بمعنى تبديل الأسماء والوجوه فقط، بل بمعنى أن تكون ممثلة حقيقية لضمير وروح أبناء قضيتها، وأن تستعين بذوي الخبرات الذين تركوا بصمات لا ينكرها الزمن. إذ إن إقصاء تلك العقول، أو النظر إليهم كأن حضورهم فائض، يجعل الحركة هشّة، ويمنح خصومها فرصة اللعب وتفويت الفرص، وفيما حدث من توقيع منفرد على وثيقة مصيرية، من قبل مجرد شخص أكبر دليل على ذلك. حيث إن أصحاب الخبرات والاختصاصات الذين خبروا وعايشوا المحطات الطويلة يمتلكون قدرة على قراءة تفاصيل اللحظة، ويستطيعون منع الانجراف نحو مصائد السلطة التي تتقن صناعة الوعد، وتعيد تدويره حتى يبدو كأنه خلاصاً.

وهكذا يبدو أن مسؤولية الحركة ليست فقط في إعلان موقف، بل في بناء جدار مقاوم يحول دون انزلاق أي طرف إلى صفقة فردية. إذ إن الكرد حين يتحركون بميثاق واحد، فهم بذلك يتمكنون من كسر سياسة -الاستفراد- التي تبني وتؤسس عليها سلطة دمشق الانتقالية الكثير من رهاناتها. وحيث تتعامل مع الفرد كطريق، وتتعامل مع الجماعة كعائق، ويصبح من الضروري أن يتقدم صوت الإجماع الكردي ليقول: ” على المفاوض ألا يذهب وحده”” ولا أن يذهب حزب أو طرف وحديهما، لأن “الذهاب يجب ألا يكون قبل الدراسة المعمقة والاتفاق على رؤية موحدة”، باعتبار أن” المصلحة لا تُختصر في نيشان ما يعلّق على كتف فرد أو حزب أو طرف.

إنما الأخطر يكمن في أن بعض الذين يتم استقدامهم ليكونوا واجهة كردية لدى الجهات الرسمية أو ووسائل إعلام النظام المؤقت، يظهرون في المشهد بمظهر المدافع، لكنهم يقدمون دفاعاً ضعيفاً أقرب إلى شفقة لا إلى حق، وكأنهم يتعمدون تسويغ ما لا يمكن تسويغه، أو يسوغون خطوات يعرفون أنها لا تخدم قضية شعب، بل تخدم حاجة سلطة إلى صورة شكلية، على نحو عابر، لتكريس سطوتها وتفردها. وهكذا يتوهم المشاهد أن الكرد يقولون ذلك، بينما الحقيقة أن من يتكلم مجرد شخص تلقى إيعازاً، أو وجد في اللحظة فرصة ليكون قريباً من ضوء عابر آخذ في الأفول.

انطلاقاً من هذا يصبح الميثاق ضرورة، لا بوصفه وثيقة فقط، بل بوصفه نتاج روح وإرادة ذاكرة جمعية تمنع العثرات الاستراتيجية التاريخية. إذ إن التمثيل الذي لا يستند إلى إجماع، يتحول إلى أداة تفكيك، ويمنح دمشق الانتقالية فرصة لتقديم صورة زائفة عن الكرد، صورة تليق بخططها، لا بوجدان شعب رأى في التاريخ ما يكفي من الإقصاء كي يعرف أن التمثيل المنفرد ليس سوى طريق تؤدي نهايته إلى الفخ.

تأسيساً على ذلك يجب أن تعيد الحركة ترتيب بيتها ليكون قادراً على احتضان الناس الذين صنعوا تاريخها. حيث لا مكان للغفلة، ولا لسياسة إبعاد ذوي الرأي، ولا لاعتبار الخبرة مجرد عبء. إذ إن الحركة التي لا تستفيد من بصمات هؤلاء، تترك الباب مفتوحاً للطارئين- طلاب المكاسب ونهازي الفرص- الذين يسهل على أي سلطة توجيههم. وهكذا تصبح الحاجة إلى التحصين الداخلي شرطاً أولياً قبل أي توجه نحو دمشق.

من هنا فإن الطريق إلى مستقبل آمن يمر عبر صوت جمعي لا ينكسر، وصورة موحدة تمنع إعادة إنتاج تمثيل زائف، وميثاق يؤكد أن الكرد لا يذهبون كأفراد، ولا يعودون كأتباع، بل يتحركون كقوة تعرف معنى حفظ كرامتها. إذ إن الغواية السياسية لا تنتصر إلا حين يغيب الميثاق، وعندما يكون الصوت الواحد غائباً، تتحول الساحة إلى مساحة تسهل لعبة- الانتقاء والاستفراد- التي تجيدها العواصم التي اعتادت تدوير حلفائها، على نحو موقوت لرميهم في أقرب” محطة” بعد تحقيق ما تؤديه من خدمات رخيصة، على حساب قضيتها.

وهكذا تتضح المسألة في أن التمسك بالميثاق المعبر عن روح شعب أصيل ليس ترفاً، بل حصناً. فالكرد ليسوا وجهاً يتم اختياره من قائمة، بل هم أبناء شعب لا يقبل أن ينوب عنه من لم يختره، فرداً أو مجموعة لا يسمح لفرد منها أداء أي دور غير مرسوم له من قبل من هم معه في المهمة. ومن هنا نرى أن اللحظة تحتاج إلى هذا الحزم كي لا تلتف دمشق على المفاوض الجديد- أياً كان- كما التفّت من قبل على بعض من سبقوه. إنما قوة الكرد في وحدتهم، وضعف خصومهم في اعتقادهم أن فرداً يمكن أن يمثل أمة عرفت دائماً كيف تحفظ شرف تمثيلها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إبراهيم اليوسف قبل كل شيء، أبين أنني منذ بداية المقتلة السورية 2011 أسجل، وقفي ضد آلة الحرب، إلا أنني كما غيري لابد من أن يكون لي موقفي من حالة الدفاع عن الذات.هكذا، تماماً، وقفت مع- الجيش الحر- عندما كان حراً، غير ممسوخ في المختبر التركي- القطري وغيرهما، في مواجهة آلة القتل الأسدي، كما إنني أحد هؤلاء الذين دعوا ويدعون وسيدعون…

عنايت ديكو لم يعد ما يتعرّض له الكورد في سوريا مجرّد فصلٍ عابر من فصول الحرب الطويلة، بل دخلنا اليوم طوراً أخطر، يمكن تسميته بوضوح: النزوح السياسي للكورد. نزوحٌ… لا يشبه سابقَيه، لا في السياق ولا في الأدوات ولا في الأهداف، بل في كونه نتاج قرارٍ سياسيٍّ إقليمي ودولي مُسبق، لا نتيجة اشتباكٍ عفوي أو خطأ ميداني. عادةً، في…

نظام مير محمدي * يواجه النظام الإيراني اليوم وضعاً عصيباً لم يسبق له مثيل طوال الـ ٤٧ عاماً الماضية. ورغم أن السلطة في طهران لم تتفاجأ باندلاع الانتفاضة الحالية — نظراً لتراكم العوامل الموضوعية لانفجارها — إلا أن ارتباكها في التعامل مع الزخم الشعبي المتصاعد منذ ۲۸ ديسمبر ۲۰۲۵، يعكس عجزاً بنيوياً في إدارة الأزمة. لقد أثبتت الأيام…

سليمان سليمان في خضم التصعيد العسكري الذي تشهده مدينة حلب، ولا سيما الهجمات التي تنفذها الفصائل الإرهابية التابعة لحكومة محمد الجولاني والمدعومة بشكل مباشر من الدولة التركية راعية الإرهاب في المنطقة ضد الأحياء الكوردية في الشيخ مقصود والأشرفية، تتصاعد حالة القلق لدى شريحة واسعة من الناس مع تداول توقعات عن احتمال تخلي الولايات المتحدة عن الكورد لصالح ترتيبات جديدة…