أحمد تمر
يشكّل الكورد في سوريا أحد أقدم المكوّنات القومية الأصيلة في هذا البلد، وقد ارتبط وجودهم تاريخيًا بجغرافيا واضحة وهوية راسخة ونضال طويل في سبيل الحرية والكرامة والحقوق المشروعة إلا أن واقع الكورد في سوريا كما هو حال البلاد عموماً يمرُّ بمرحلة معقدة حساسة تتداخل فيها التحديات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية ما يجعل من السؤال عن المستقبل سؤالًا مصيريًا يتطلب قراءة عميقة وواقعية.
1- الواقع الكوردي في سوريا تراكم المظلومية وتعقيدات المرحلة
عانى الكورد في سوريا على مدى عقود من سياسات الإقصاء والإنكار بدءًا من حرمان عشرات الآلاف من الجنسية مرورًا بمنع اللغة والثقافة الكوردية وصولًا إلى سياسات التغيير الديمغرافي والتهميش السياسي والاقتصادي.
هذه السياسات لم تكن طارئة بل شكّلت نهجاً ممنهجاً ساهم في تعميق الشعور بالغبن والظلم، ورسّخ انعدام الثقة بين الكورد والسلطات المتعاقبة.
مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011 وجد الكورد أنفسهم أمام مرحلة جديدة حملت في طياتها فرصاً وتحديات في آن معاً، فمن جهة أتاح الفراغ السياسي والإداري هامشًا للكورد للتعبير عن ذاتهم وتنظيم شؤونهم، ومن جهة أخرى دخلت الساحة الكوردية في حالة من الانقسام السياسي والتجاذب الحاد ما أضعف الموقف الكوردي، وأثر سلباً على قدرته في فرض قضيته ضمن المعادلة السورية العامة
2- الانقسام الكوردي الجرح المفتوح
لا يمكن الحديث عن واقع الكورد ومستقبلهم دون التوقُّف عند مسألة الانقسام الكوردي التي تعدُّ أحد أخطر التحديات التي تواجه قضيتنا اليوم، فالتباينات السياسية وغياب الشراكة الحقيقية واحتكار القرار، وتحويل الخلافات إلى صراعات تخدم أجندات خارجية، كلُّها عواملُ أضعفت الثقة الشعبية، وقلصت من قدرة الكورد على التفاوض والدفاع عن حقوقهم.
إن استمرار هذا الانقسام لا يخدم سوى القوى التي تسعى لتهميش القضية الكوردية أو توظيفها لمصالحها الخاصة في حين أن شعبنا يدفع الثمن من أمنه واستقراره ومستقبله، من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة شجاعة ومسؤولة تقوم على مبدأ الشراكة الوطنية الكوردية واحترام التعدُّدية وتغليب المصلحة العليا على الحسابات الحزبية الضيقة .
3- الكورد وسوريا.. شراكة وطنية لا انفصال
إن الكورد في سوريا ليسوا حالة طارئة، ولا مشروع انفصال، بل هم شركاء حقيقيون في الوطن، وأي حل مستقبلي للأزمة السورية لا يمكن أن يكون عادلًا أو مستداماً دون الاعتراف الصريح بالحقوق القومية المشروعة للكورد ضمن إطار سوريا موحدة ديمقراطية.
إن مستقبل سوريا مرتبط ارتباطًا وثيقاً بقدرتها على التحول إلى دولة المواطنة المتساوية. دولة تعترف بتعدديتها القومية والدينية، وتكفل الحقوق الثقافية والسياسية والإدارية لجميع مكوناتها وفي مقدمتهم الشعب الكوردي، فالدستور الديمقراطي اللامركزي والاعتراف بالهوية الكوردية وضمان المشاركة السياسية الحقيقية هي أسس لا غنى عنها لبناء سوريا جديدة.
4- المتغيرات الإقليمية والدولية الفرص والمخاطر
لا يمكن فصل مستقبل الكورد في سوريا عن السياق الإقليمي والدولي، فالقضية الكوردية باتت حاضرة في الحسابات الدولية لكن هذه الحضور لا يعني بالضرورة ضمان الحقوق ما لم يدعم بموقف كوردي موحّد وخطاب سياسي متوازن وعلاقات مدروسة مع القوى الإقليمية والدولية. إن الرهان على الخارج وحدَه خاسرٌ، كما أن القطيعة مع المحيط رهان أكثر خطورة. المطلوب سياسة واقعية تعتمد على تثبيت القرار الكوردي المستقل وبناء تحالفات تحمي المصالح الكوردية دون الارتهان لأي طرف.
5- نحو مستقبل كوردي مسؤول في سوريا
إن مستقبل الكورد في سوريا يجب أن يبنى على جملة من المرتكزات الأساسية أبرزها:
– تحقيق الوحدة الكوردية على قاعدة الشراكة والديمقراطية.
-إعادة الثقة بين القيادة والشارع الكوردي عبر الشفافية واحترام إرادة الناس.
-التمسُّك بالحل السوري الوطني الذي يضمن الحقوق القومية ضمن دولة ديمقراطية.
-بناء مؤسسات سياسية ومجتمعية قوية تعبر عن تطلعات الشعب الكوردي.
-تحصين الهوية الكوردية ثقافياً ولغوياً كجزء من النضال الوطني.
إن الكورد في سوريا يقفون اليوم عند مفترق طرق تاريخي، إما الاستمرار في حالة التشتت والانقسام وما تحمله من مخاطر وضياع أو الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها الوحدة والنضج السياسي والشراكة الوطنية الحقيقية.
إن مسؤولية المستقبل لا تقع على عاتق الأحزاب وحدها، بل على كلّ مثقف وناشط وغيور على هذه القضية العادلة، فمستقبلنا لا يمنح، بل ينتزع بالإرادة ويصان بالوحدة، ويُبنَى بالعقل والحكمة.