ميداس آزيزي
يشكّل توحيد الصف الكردي أحد أكثر الإشكاليات تعقيدًا واستمرارية في التاريخ السياسي الكردي المعاصر. فعلى الرغم من مركزية هذا المطلب في الوعي السياسي الكردي، إلا أن تحويله إلى واقعٍ مؤسساتي ظلّ مهمة شاقة، اصطدمت مرارًا بعوامل داخلية وخارجية.
ويأتي كونفرانس 26 نيسان 2025 في قامشلي بوصفه أحدث محاولة لإعادة بناء موقف كردي موحّد في سوريا، في لحظة إقليمية مفصلية تتسم بإعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.
الخلفية التاريخية لانقسام الحركة السياسية الكردية
تعود جذور الانقسام داخل الحركة السياسية الكردية إلى المراحل الأولى لتشكّلها، بدءًا من أول انشقاق داخل الحزب الأم، ثم تعمّق هذا الانقسام لاحقًا بفعل تباينات تنظيمية وأيديولوجية وشخصية. وقد شكّل المؤتمر الوطني في ناوبردان بإقليم كوردستان عام 1970، الذي عُقد بدعوة من الزعيم الراحل ملا مصطفى البارزاني، محاولة مبكرة لإعادة توحيد الصف وتنظيم القيادة السياسية، غير أن فشل تلك التجربة أسّس لنمط متكرر من المبادرات غير المكتملة.
ويمكن تلخيص أسباب الإخفاق التاريخي في تحقيق وحدة سياسية كردية مستدامة بثلاثة محاور رئيسية: 1. غياب ثقافة العمل المؤسساتي الجامع.
2. تغليب المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة القومية العامة.
3. التأثر العميق بالعوامل الكوردستانية والإقليمية، وتوظيف الانقسام الكردي في صراعات أوسع.
السياق السياسي لكونفرانس 26 نيسان 2025
في ظلّ التّحوّلات المتسارعة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، من تطورات غزة ولبنان، وصولًا إلى التحولات الكبرى في المشهد السوري وسقوط النظام، تصاعدت الضغوط باتجاه التقارب السياسي الكردي. وقد تضافرت في هذا السياق عدة عوامل، أبرزها ضغط الشارع الكردي والقوى الكوردستانية من جهة، والضغط الأوروبي–الأميركي لتوحيد الموقف الكردي السوري من جهة أخرى، فضلًا عن دعم الرئيس مسعود بارزاني، والدور الذي لعبه الجنرال مظلوم عبدي.
وقد أضفت هذه العوامل مجتمعة شرعية وإجماعًا كوردستانيًا غير مسبوقين على الكونفرانس، ما أسهم في عقد كونفرانس «وحدة الصف والموقف الكردي» في قامشلي بتاريخ 26 نيسان 2025، بوصفه محاولة لإنتاج إطار سياسي يعكس الحد الأدنى من التوافق الكردي.
مخرجات الكونفرانس وإشكاليات التطبيق
عبّرت مخرجات الكونفرانس عن رؤية كردية لمستقبل سوريا على المستوى الوطني، وقدّمت تصورًا لحل القضية الكردية ضمن مبادئ الشراكة الوطنية والدولة الديمقراطية اللامركزية. كما تمخّض عنه تشكيل وفد كردي مفاوض مشترك.
غير أن تشكيل وفدٍ موازٍ من قبل الإدارة الذاتية لتمثيل شمال شرقي سوريا أوجد حالة من الالتباس في الصلاحيات والأدوار، لا سيما في ظل غياب آليات واضحة للتنسيق بين الوفدين، ما فتح الباب أمام احتمالات التعارض أو ازدواجية التمثيل.
وعليه، ورغم أن الكونفرانس شكّل خطوة سياسية متقدمة من حيث الشكل، إلا أن تحويل مخرجاته إلى واقع عملي لا يزال مرهونًا بتوافر إرادة سياسية حقيقية قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة.
القضايا العالقة ومسارات الاستكمال
لا يتناسب عنوان الكونفرانس مع حجم ما تحقق فعليًا، إذ لا يزال استكمال مساره مرهونًا بمعالجة جملة من القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها:
* بناء مرجعية سياسية كردية موحّدة تضم جميع القوى والأحزاب السياسية، إلى جانب الفعاليات المجتمعية، لتكون إطارًا جامعًا لاتخاذ القرار السياسي الكردي.
* دور الوفد الكردي المفاوض المشترك، والذي يتطلب تفعيلًا جديًا لدوره السياسي والدبلوماسي، وتعزيز قنوات التواصل مع القوى الدولية والإقليمية، وكذلك مع القوى والمكونات السياسية السورية، وبناء شبكات تشبيك فاعلة تدعم الموقف الكردي في أي مسار تفاوضي مقبل.
إلا أنه، وبعد أكثر من ستة أشهر على تشكيل الوفد، لم يصدر عنه أي موقف سياسي واضح تجاه التطورات السورية، كما لم تُسجَّل تحركات جدية للانفتاح على القوى السياسية السورية. ويضاف إلى ذلك استمرار مماطلة السلطة الانتقالية في دمشق في الاستجابة لطلب اللقاء المقدم من الوفد، ما يثير تساؤلات جدية حول فاعلية الدور المنوط به، رغم ما يمتلكه من أوراق قوة، تشمل دعمًا شعبيًا كرديًا واسعًا، وإسنادًا كردستانيًا وغربيًا، إضافة إلى قوة عسكرية وازنة متمثلة في قوات سوريا الديمقراطية.
* إشكالية الشراكة في الإدارة الذاتية، حيث لا تزال المشاركة الفعلية في صنع القرار موضع خلاف، في ظل واقع يُنظر إليه بوصفه احتكارًا سياسيًا وإداريًا من قبل قوى محددة، ما يضعف الثقة ويحدّ من فرص التوافق والشراكة الحقيقية.
* قضية بيشمركة روج، وآليات انضمامهم إلى قوات سوريا الديمقراطية ضمن صيغة وطنية مهنية متفق عليها، تضمن وحدة القرار العسكري وتُبعد هذه القضية عن التوظيف السياسي.
* بالاضافة إلى قضايا اخرى الحوكمة،التعليم، والتجنيد الإجباري تحتاج إلى توافقات.
خلاصة
يمكن القول إن كونفرانس 26 نيسان 2025 شكّل محطة مفصلية في مسار العمل السياسي الكردي في سوريا، لكنه لا يزال في بداياته. فإما أن يتحول إلى مدخل حقيقي لوحدة سياسية مستدامة، أو يُضاف إلى سجل المحاولات السابقة التي اصطدمت بحسابات ضيقة ومتغيرات إقليمية معقّدة. ويبقى الرهان الأساسي معقودًا على قدرة القوى الكردية على الانتقال من منطق التفاهمات النظرية إلى الممارسة السياسية المشتركة، ووضع المصلحة الكردية العامة فوق الاعتبارات الحزبية والفئوية، والانتقال الى تشكيل جبهة سياسية كردية موحدة تضم جميع القوى السياسية الكردية السورية تتناسب مع الاستحقاقات القادمة على المستوى الوطني السوري.
============
جريدة كوردستان العدد (767 )