القضية الكوردية في سياقها الإقليمي.. التشاور والتكامل كخيارٍ ضروري

فيصل يوسف

يشهد الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة تحولات بنيوية عميقة، لا تقتصر على تبدلات سياسية عابرة، بل تمتد إلى أنماط الحكم، وصيغ إدارة التنوع، وطبيعة العلاقة بين الدولة ومكوناتها القومية والاجتماعية. 

وفي ظل هذا المشهد المركّب، حيث تتشابك الحسابات الإقليمية مع المصالح الدولية، تبرز القضية الكوردية بوصفها إحدى القضايا المفصلية التي لا يمكن مقاربتها بمعزل عن محيطها الإقليمي، ولا اختزالها في  قراءات آنية ومجتزأة.

فالشعب الكوردي، الممتد تاريخياً وجغرافياً عبر أربع دول محورية في الإقليم، يشكّل مكوّناً أصيلاً من نسيج الشرق الأوسط، وعنصراً فاعلاً في معادلات الاستقرار والأمن والتنمية. وقد اثبتت الاحداث، بأن القضية الكوردية لبست شأناً داخلياً محصوراً ضمن حدود هذه الدول، بل غدت  ذات أبعاد إقليمية متداخلة، تتجاوز السياقات المحلية، وتنعكس بصورة مباشرة على توازنات المنطقة ككل. ومن هنا، فإن أي مقاربة واقعية لمستقبل الشرق الأوسط ستبقى قاصرة ما لم تأخذ في الاعتبار هذا البعد الإقليمي المركّب للقضية الكوردية.

وقد كشفت محطات عديدة خلال السنوات الماضية عن هذا التشابك بوضوح. فاستفتاء إقليم كوردستان العراق عام 2017 على سبيل المثال، لم يُنظر إليه بوصفه حدثاً داخلياً عراقياً فحسب، بل تحوّل إلى حدث إقليمي ودولي تفاعلت معها قوى متعددة، انطلاقاً من اعتبارات تجاوزت الإطار الدستوري العراقي، وقد أظهرت  مدى حساسية بعض الدول الإقليمية من أي تطور في مسار حقوق الشعب الكوردي، وكيف يمكن أن تنعكس سريعاً على المحيط الإقليمي، بغضّ النظر عن نواياها أو سياقها المحلي .

وبالمثل، فإن المناطق الكوردية في سوريا، شهدت تدخلات متعددة، لدوافع “أمنية وسياسية” وفي هذا السياق لا يمكن إغفال أشكال التدخل والتأثير الإيراني السلبي في شؤون إقليم كوردستان العراق، بوسائل وأساليب مختلفة، الأمر الذي يعكس التداخل الإقليمي، ويؤكد أن أي تطور كوردي في ساحة ما سرعان ما يترك انعكاساته على الساحات الأخرى.

إن استحضار هذه الوقائع لا يهدف إلى إعادة فتح ملفات الخلاف أو توجيه الاتهامات، بل إلى التأكيد على ضرورة الانتقال من ردود الفعل إلى بناء مقاربات استباقية أكثر تنظيماً وموضوعية. وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إيجاد آليات منظمة للتنسيق بين القوى الكوردية الفاعلة، والعمل على معالجة جملة من التحديات الداخلية، وفي مقدمتها الانقسامات الحزبية الكوردية في كل جزء التي لطالما أتاحت المجال لتدخلات خارجية. 

إن مأسسة الخلاف وتنظيمه ضمن أطر ديمقراطية شفافة، قائمة على الحوار واحترام التعددية، تمثل شرطًا أساسياً للحفاظ على منع الانزلاق نحو صراعات داخلية مدمّرة. وتُمكّن الكورد من التعامل مع البعد الإقليمي والدولي لقضيتهم بمسؤولية سياسية بعيداً عن الاعتبارات الحزبية الضيقة.

وفي هذا الإطار، فإن الحديث عن عقد لقاء تشاوري كوردي شامل يُعدّ إحدى الأدوات الممكنة لتحقيق هذا الهدف في هذه المرحلة، بوصفه منصة للحوار وتبادل الرؤى، ينبغي النظر إليه بوصفه جزءاً من مسار أوسع ونقطة تتويج لتراكم من أدوات وآليات التنسيق، لا بديلاً عنها، حيث تبرز أهمية التبادل التجاري المشروع بين المناطق الكوردية، وتطوير العلاقات المجتمعية، وتكثيف التواصل الثقافي والأكاديمي، وبناء شبكات حوار دائمة بين النخب الفكرية ومؤسسات المجتمع المدني. فهذه المسارات، حين تُفعّل بشكل متكامل، تضمن استمرارية التواصل حتى في الفترات التي تتعثر فيها اللقاءات السياسية بفعل الضغوط أو التعقيدات الإقليمية، كما تسهم في بناء تراكم إيجابي طويل الأمد، لا يرتبط بظرف سياسي عابر أو بتوازنات ظرفية  مؤقتة.

إن الحديث عن تنظيم التنسيق بين الأطراف الكوردية لا يعني السعي إلى توحيد الخطاب أو إلغاء التباينات السياسية، بل تنظيمها ضمن رؤية مشتركة تقوم على مبدأ تكامل الأدوار لا تطابقها. فواقع الكورد في العراق يختلف عن واقعهم في سوريا أو تركيا أو إيران، ولكل ساحة خصوصياتها ومحدداتها السياسية. غير أن هذا التباين لا يتناقض مع وجود حد أدنى من التفاهم حول القضايا الكبرى، مثل دعم الاستقرار والديمقراطية، ونبذ العنف، وتعزيز الحلول السياسية، ومحاربة الإرهاب، والحرص على جعل القضية الكوردية عاملاً من عوامل التوازن والازدهار في المنطقة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به القيادات والشخصيات التي تمتلك خبرة تاريخية وقدرة على إدارة التوازنات الدقيقة. ويأتي الرئيس مسعود بارزاني في مقدمة هذه الشخصيات، بوصفه رمزاً كوردياً يتمتع بشرعية نضالية وتجربة مؤسسية عميقة، وقدرة معروفة على الجمع بين الثوابت القومية ومتطلبات الواقعية السياسية. إن رعاية مثل هذه المبادرات من قبل شخصية تحظى بهذا القبول المعنوي يمكن أن تمنح مسارات التنسيق طابعاً توافقياً، وتبعث برسائل طمأنة إلى المحيط الإقليمي بأن الهدف هو الاستقرار والتكامل، لا التصعيد أو فرض الوقائع بالقوة .

إن الرؤية التي ينطلق منها هذا التوجه تقوم على ايجاد آليات لتحويل القضية الكوردية إلى عامل بناء وتوازن، ومساحة للتعاون والازدهار في المنطقة. فبدلاً من بقائها عرضة للتدخلات والتجاذبات، يمكن لها، عبر التشاور المنظم وتعدد أدوات التنسيق، أن تتحول إلى جسر للتعاون الاقتصادي، والتواصل الثقافي، وتعزيز الثقة بين شعوب المنطقة. ويتطلب هذا المسار شراكة وطنية مسؤولة للشعب الكردي في الدول التي يقيم فيها تاريخياً، ودعماً اقليميا ودولياً للمقاربات الحوارية، والعمل الجاد على إيجاد حلول عادلة للقضية الكوردية في الدول الاربعة (تركيا، العراق، ايران، سوريا)، باعتبار أن  الشراكة الكوردية في الحياة السياسية والاقتصادية يشكّل استثماراً حقيقياً في أمن الشرق الأوسط واستقراره.

إن الشعب الكوردي يقف اليوم أمام لحظة تاريخية تتطلب الانتقال إلى مرحلة من بناء الرؤى الاستراتيجية. حيث تبدو هولير، بما تمثله من رمزية وتجربة مؤسسية، مكاناً مناسباً لانطلاق هذا المسار، ويؤسس لمنظومة مستدامة من الآليات الممكنة للتنسيق المشترك. فاللقاء التشاوري، وإن كان خطوة مهمة، يبقى جزءاً من مسار أطول، يمكن أن يسهم، إذا ما أُحسن توظيفه، في بناء شرق أوسط أكثر استقراراً، يقوم على الشراكة والتكامل واحترام حقوق الإنسان والازدهار، لاعلى الصراع والإقصاء والعنف والارهاب .

=========

رووداو

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيض ا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…