شادي حاجي
مع تسارع وتيرة التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، شهدت العلاقات الإنسانية والمجتمعية تحولات عميقة انعكست بشكل واضح على أنماط التواصل بين الأفراد. فقد تراجعت اللقاءات المباشرة والزيارات الاجتماعية، لتحلّ محلها رسائل التهاني والمنشورات الرقمية، حتى في أكثر المناسبات رمزية مثل الأعياد ورأس السنة الجديدة.
في الماضي، كانت المناسبات الاجتماعية تشكّل فرصة حقيقية لتعزيز الروابط الإنسانية، من خلال الزيارات، والمصافحات، وتبادل الكلمات المباشرة. أما اليوم، فقد باتت “مبارك رأس السنة” أو “عيد سعيد” تُرسل بضغطة زر، وتصل إلى مئات الأشخاص في لحظة واحدة، دون تمييز أو خصوصية، ما أفقدها في كثير من الأحيان دفئها الإنساني ومعناها العميق.
لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تقريب المسافات، وسهّلت التواصل مع الأهل والأصدقاء في بلدان مختلفة، كما أتاحت مشاركة اللحظات والتهاني بشكل فوري. غير أن هذا القرب الافتراضي صاحبه في المقابل نوع من البعد الإنساني، حيث أصبحت العلاقات تميل إلى السطحية، ويغيب الحضور الحقيقي الذي يمنح المناسبات قيمتها الاجتماعية. ويرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن الاعتماد المفرط على التهاني الرقمية، خصوصًا في الأعياد ورأس السنة، يعكس تغيرًا في مفهوم العلاقة الإنسانية، إذ تحوّلت من تفاعل قائم على المشاركة والاهتمام، إلى تواصل سريع يفتقر في كثير من الأحيان إلى العمق والشعور الصادق.
العلاقات الإنسانية، مهما تطورت وسائل الاتصال، لا يمكن اختزالها في شاشة أو رسالة جماعية. فهي تقوم على اللقاء، والحوار، والمشاركة الوجدانية، وهي عناصر لا تعوضها التكنولوجيا. فالمجتمع المتماسك لا يُبنى على كثرة الرسائل، بل على قوة الروابط بين أفراده. وفي ظل هذا الواقع، يبقى التحدي أمام الأفراد والمجتمعات هو إيجاد توازن واعٍ بين استخدام التكنولوجيا والحفاظ على جوهر العلاقات الإنسانية. فوسائل التواصل، إن أُحسن استخدامها، يمكن أن تكون جسرًا للتقارب لا بديلًا عن التواصل الحقيقي، وأن تعيد للتهاني في الأفراح والأعياد ورأس السنة معناها الإنساني فما بالك بالمناسبات الأليمة في الأحزان ، بدل أن تبقى مجرد طقس رقمي عابر.
وإلى مستقبل أفضل
ألمانيا في ١/١/٢٠٢٦