د. محمود عباس
الدين حين يُختطف.
لم نطالب قوات قسد بالتراجع عن واجهة الحوار مع الحكومة السورية الانتقالية لأننا نشكّ في مشروعيتها، ولا لأننا نساوم على دورها أو ننتقص من تضحياتها، بل لأن قراءة المشهد السياسي والأيديولوجي كما هو، بلا تزويق ولا أوهام، تفرض هذه الخطوة بوصفها كسرًا واعيًا للحجّة، لا انسحابًا منها. فما يجري اليوم في سوريا لم يعد خلافًا على صلاحيات أو شكل إدارة، بل انزلاقًا صريحًا من السياسة إلى الفتوى، ومن النقاش العام إلى سلاح التكفير، بوصفه الأداة البديلة حين تفشل السيطرة العسكرية والسياسية.
وحين تُدفَع قسد لتكون الواجهة الوحيدة للحوار، ويُهمَّش في المقابل الحراك الكوردي السياسي المنبثق عن مؤتمر قامشلو، تتحوّل، رغماً عنها، إلى الذريعة الأسهل لإعادة إنتاج خطاب التخوين الديني. عندها لا تعود رافعةً للحل، بل تُستدرج إلى موقع يُستخدم فيه وجودها لتبرير الإقصاء، لا لبناء الشراكة.
الدعاية التي بلغت حد تكفير قسد، وقنديل، وكل كوردي يطالب بوطن يقوم على الشراكة واللامركزية، لم تنشأ من فراغ ديني ولا من اجتهاد فقهي، بل من مشروع سياسي يستخدم الدين أداة تعبئة وتحريض. لقد جرى تهريب مفاهيم السياسة الحديثة، الفيدرالية، اللامركزية، الشراكة الوطنية، من مجالها الدستوري إلى قاموس الزندقة، حتى باتت تُقدَّم لعامة الناس بوصفها مرادفات للكفر والانفصال. هذه العملية لم تكن عفوية، بل قادتها منظمات متطرفة سنية، برعاية مباشرة أو غير مباشرة من الدولة التركية، عبر منهجية قائمة على النقل لا العقل، وعلى تلقينٍ يعطّل التفكير ويحوّل الكراهية إلى عقيدة.
ما يحدث اليوم يعيد إنتاج صفحات سوداء من التاريخ الإسلامي، حين جرى تكفير المعتزلة، وقُمعت القرامطة، وأُحرقت كتب الفلاسفة، وهكذا أُدين ابن رشد وأحرقت كتبه، وضُرب أحمد بن حنبل، ونُكّل بمالك بن أنس، ولم يسلم الخوارزمي ولا عمر الخيام من حملات التشكيك والتكفير، وقُتل الحلاج، وصُلب السهروردي، ووُصم ابن المقفّع وغيلان الدمشقي والجعد بن درهم بالزندقة في كل تلك المراحل لم يكن الخلاف دينيًا خالصًا، بل سياسيًا بامتياز، وكانت السلطة، كلما عجزت عن الإقناع، استدعت سيف الفتوى. وما يجري اليوم ضد الكورد ليس استثناءً، بل استمرارية لهذا المنطق ذاته، مع فارق أن قسد وقنديل تحوّلتا إلى شماعتين جاهزتين لتبرير الإلغاء الشامل للحلم الكوردي.
تكفير قسد ليس استهدافًا لقوة عسكرية بعينها، بل خطوة أولى في مسار يستهدف الشعب الكوردي برمّته. يدرك القائمون على هذا الخطاب أن إسقاط قسد عسكريًا أو تحييد قنديل يصبح أسهل بعد إسقاط مشروعية الشراكة أخلاقيًا ودينيًا. لذلك لا تُهاجم قسد لأنها أخطأت، بل لأنها تمثل إمكانية أن يكون الكوردي شريكًا لا تابعًا، وأن تكون سوريا دولة متعددة لا غنيمة مذهبية. هذا المنطق لا يقتصر على سوريا، بل يلتقي مباشرة مع مصالح تركيا التي ترى في أي نموذج كوردي ناجح خطرًا وجوديًا عليها.
وحين فشلت أدوات السيطرة العسكرية والسياسية، جرى تحريك العامل الديني بكل ثقله. الصراع الذي بدأ يطفو داخل المساجد، بين الوهابية والرفاعية، وبين أتباع ابن تيمية والتيارات الأقل تطرفًا، ليس علامة صحوة دينية، بل دليل انكشاف. التكفير هنا لم يعد رأيًا هامشيًا، بل أداة حكم، يُكفَّر بها كل من لا يرضخ، ويُشيطَن بها كل من يطالب بعقد وطني جديد.
من هنا، يصبح من الضروري سياسيًا وأخلاقيًا إعادة ترتيب أدوار التمثيل في الحوار مع الحكومة السورية الانتقالية. الحراك الكوردي السياسي، الذي توحّد بعد مؤتمر نيسان في قامشلو بمشاركة قوى الإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكوردي وأطراف أخرى، هو الأجدر بتولي هذه المهمة. ليس هروبًا من المواجهة، بل نقلها إلى أرض تُجرد التكفير من مبرراته. حين يتقدم الحراك السياسي المدني، على أساس نظام لا مركزي فيدرالي، وبمشاركة الدروز والعلويين ضمن مؤتمر وطني شامل، تُسحب الذريعة من أيدي المتطرفين، ويُعاد الصراع إلى مجاله الطبيعي، السياسة لا الفقه.
في هذا السياق، تعود قوات قسد إلى موقعها المنطقي كقوة عسكرية تابعة للإدارة الذاتية، جزء من الحل لا محور الاتهام. فالقضية ليست في وجود قسد، بل في تحويلها إلى شماعة لتغطية كراهية متجذّرة تجاه الكورد. إن ترك قسد في واجهة حوار تُدار بعقلية إقصائية لا يخدمها ولا يخدم سوريا، بل يمنح التكفيريين الوقود الذي يبحثون عنه.
ما نشهده اليوم ليس جديدًا، بل تكرارٌ فجّ للماضي الظلامي بأدوات معاصرة. وإذا لم يُكسر هذا المسار الآن، فإن التكفير لن يتوقف عند قسد ولا عند الكورد، بل سيطال كل من يرفض الخضوع لمنطق الإلغاء. إن إنقاذ سوريا لا يمر عبر مركزية قسرية جديدة ولا عبر سلطة تتكئ على خطاب ديني متطرف، بل عبر عقد وطني يعترف بالتعدد، ويُخرج الدين من مقصلة السياسة، ويمنح الشراكة معناها الحقيقي. قسد ليست المشكلة؛ المشكلة في سلطة تريد الطاعة قبل الوطن.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
25/12/2025م