مصطفى عبد الوهاب العيسى
ليس حديثنا عن أهمية دمشق ، وتاريخها ضرباً من الترف الأدبي ، أو الغزل الخطابي ، فمكانة دمشق التاريخية والحضارية منحتها – ولا تزال تمنحها – من الفرص والإمكانات ما لم يتوافر لغيرها من الدول التي مرت أو تمر بتحولات سياسية مشابهة ، ورغم قسوة الظروف الراهنة وتعقيداتها ، فإن اجتماع هذه العوامل في دمشق يتيح إمكانية حقيقية لبناء الدولة كما يجب وعلى أسس صحيحة ، وتحقيق نهضة شاملة وجيدة جداً على مختلف الأصعدة ، وفي فترة زمنية قياسية .
ومع ذلك ، فإن هذا الطموح لا يُغفل حقيقة أننا لا نزال حتى اليوم مستباحين براً وجواً ، ولا يتجاهل حجم الأطماع والمشاريع المتضاربة لدول إقليمية ودولية ، وما تمثله من تهديدات وجودية لسوريا وشعبها ، كما لا يمكن تجاهل واقعنا الخارجي الذي نُصنَّف فيه كدولة محدودة التأثير خارجياً ، ولا سيما بعد فقدان ما تبقى من المؤسسة العسكرية بكل ما تحويه من سلاح وذخائر عقب تعمُّد إسرائيل قصف جميع المواقع والفرق والمعدات العسكرية .
قد يختلف الموالون والمعارضون لدمشق اختلافاً واسعاً في توصيف الدولة الجديدة ، بين من يراها ناجحة أو فاشلة ، سلطوية أو غير ذلك ، غير أنني أذهب شخصياً إلى توصيف أشمل وأدق وأكثر موضوعية ، وهو توصيف ” الدولة الهشة ” أو إن أردنا التعبير بلطف أكبر : دولة تعاني من هشاشةٍ لم يعد مقبولاً استمرارها اليوم لدى الساعين إلى بناء سوريا جديدة كما يريدها السوريون .
يضطر السوري اليوم إلى التعامل مع سلطات الأمر الواقع وفقاً لمكان وجوده ، ورغم ما يعانيه المواطن في معاملاته اليومية وحياته العامة من ممارسات بعيدة كل البعد عن معايير الدولة ومفهومها ، فإن ذلك يظل رغم قسوته أمراً مقبولاً نسبياً إلى أن يصبح هذا النمط ذاته هو السائد في تعامل الوزراء والنقباء وكبار المسؤولين ، وحين يخبرك أرفع مسؤولي الدولة بأنه لا حول له ولا قوة ، وأنه عاجز عن التعامل مع المواطنين أو تقديم الحلول والخدمات لهم ، فإن ذلك يكشف خللاً بنيوياً عميقاً ، والأمثلة على ذلك كثيرة وتشمل عدداً كبيراً من الوزراء والنقباء .
ومن جانب آخر ، وربما بتوجيه ضمني من الدولة ، نشهد تراجعاً ملحوظاً في احترام الموظفين ، وانتشار مظاهر قلة الأدب في التعامل معهم ، وكذلك مع شرطة المرور وغيرها من الجهات العامة ، حتى بات هذا السلوك سمةً واضحة في شوارع دمشق ودوائرها ، وكأن الدولة مطالبة بأن تُدار وفق عقلية كل مواطن وما يحب ويريد ، وهو ما يعكس تردداً واضحاً في فرض النظام واتخاذ التدابير اللازمة ، وربما خوفاً من ردود الفعل أو منطق “الترند” ، ولا يُفهم هذا الطرح على أنه دفاع عن الفساد الذي عاد إلى شريحة واسعة من الموظفين على نحوٍ يشبه ما كان عليه الحال في زمن النظام السابق ، ولا عن غياب الرقابة والمحاسبة إلى حد كبير .
أما الواقع الخدمي – رغم تحسنه البطيء – فإنه لا يزال حتى اليوم دون الحد الأدنى الذي يستحقه السوريون .
أما المعارضة بمعظم أفرادها وأحزابها وأطرها السياسية ، وحتى بعض منظمات المجتمع المدني المهتمة بالشأن العام ، فإن الفجوة بينها وبين الشعب تتسع يوماً بعد يوم ، ويغلب على دورها الطابع السلبي أكثر بكثير من الإيجابي ، ولا تزال بعيدة عن نموذج المعارضة الطبيعية المسؤولة عن خطابها ، والجادة في برامجها وتطلعاتها ، ومع الأسف تحول دور الكثير منها إلى معارضة لبناء الدولة وليس معارضة سياسية لنظام قائم ، وهنا تكمن الطامة الكبرى : معارضة الدولة لا معارضة السلطة ، وفي مقابل ذلك كله لا يزال دور الأفراد والأحزاب الوطنية متواضعاً رغم أهميته في تقديم تقييم موضوعي غير مصلحي كنهج وحيد لا يمكن لسوريا أن تنهض بدونه ، وكان من الأجدر أن تتبناه دمشق ومعارضوها على حد سواء .
نعيش اليوم فجوة واسعة بين الأحلام والطموحات من جهة ، والواقع من جهة أخرى ، وكذلك بين الأقوال والأفعال ، ونشهد تمسكاً واضحاً بالأخطاء وبالنهج الذي تسير عليه دمشق وغيرها من السلطات في وقت يجري فيه على امتداد الجغرافيا السورية تهميش العمل المسؤول والجاد ، وإقصاء الكفاءات القادرة على إدارة المراحل الانتقالية بجودة وكفاءة عاليتين .
إن هشاشة الدولة من جهة ، وضعف المعارضة من جهة أخرى يعودان – برأيي – بصورة أساسية إلى الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي بأشكاله المختلفة ، وإلى التدخلات الإقليمية والدولية في قرارات سيادية ، فضلاً عن غياب الرؤى الوطنية المستقلة الواضحة ، واستمرار الصراعات الطائفية والمناطقية وتأجيجها بين الحين والآخر .
وإن نتائج هشاشة الدولة وضعف المعارضة مستقبلاً ستكون كارثية على مستوى الانقسامات المجتمعية ، وعلى وعي الأطفال والأجيال الجديدة التي يتشكل فهمها للدولة في هذه المرحلة الحساسة ، ولذلك لا بد من الشروع اليوم قبل الغد في إصلاح جذري وكامل لبنية مؤسسات الدولة ، وبشكل لا يقتصر على استبدال بعض الشخصيات فقط ، بل يهدف إلى بناء دولة ومعارضة حقيقية أيضاً تُسهم في عملية البناء ، وتكون معارضة سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة ، وليست معارضة هوياتية أو معارضة للدولة ككل .
ختاماً تتعدد السرديات والانفعالات التي يمكن تناولها في ملف هشاشة الدولة ، غير أن جوهر المعالجة يرتبط ارتباطاً كاملاً بضرورة بناء الدولة على أسس حديثة بوصفها دولة قانون ومواطنة وديمقراطية وفق مطلب السواد الأعظم من السوريين .
نحن اليوم بحاجة ماسَّة إلى حلول إسعافية عاجلة تقوم على مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب ، ومنح صلاحيات واسعة واستقلالية حقيقية لبعض المؤسسات كي تقف الدولة – كما يُقال – على قدميها من جديد ، ولا بُدَّ من تكاتف السوريين جميعاً ، حكومةً وشعباً ، موالاةً ومعارضة لدعم هذه السياسات الإسعافية .
أما في الغد ، فعلى قوى المعارضة أن تتخذ موقفاًحاسماً في دعم كل ما من شأنه بناء الدولة ومؤسساتها ، والابتعاد عن سياسة معاداة الدولة ، والاكتفاء بمعارضة النظام القائم وليس الدولة ، كما يجب أن يتحمل الشعب مسؤولية تاريخية في الوعي بدوره في بناء الدولة القوية ، وفي السياق نفسه لا بُدَّ لدمشق أن تُسرع في معالجة ملفين أساسيين لمعالجة هشاشة الدولة وهما : المشاركة السياسية والدستور .