عبدالعزيز قاسم
من السذاجة السياسية، بعد كل ما جرى في سوريا، الاعتقاد بأن سلطة ولدت من رحم الارهاب والتخلف قادرة على إنتاج دولة تعددية أو حل عادل للقضية الكردية، وإن نظام الجولاني، رغم رفع العقوبات عنه وتقديمه بوصفه “سلطة الأمر الواقع قابل لقبول واقع تعددي”.
وما شهدته مناطق الدروز والعلويين من انتهاكات ومجازر متكررة دليل صارخ على طبيعة الدولة التي يراد فرضها، وفي هذا السياق يصبح الرهان على شراكة وطنية أو حل عادل داخل دولة مركزية عقائدية مغامرة سياسية غير محسوبة، إضافة إلى أن التجربة السورية، قديما وحديثا، تثبت أن أي رهان على “حسن نية” المركز ليس سوى تأجيل لانفجار جديد، ومع ذلك للاسف، ما زالت بعض القوى الكردية في كردستان سوريا تراهن على إمكانية التفاهم مع سلطة الأمر الواقع في دمشق، وكأن التاريخ لم يقل كلمته بعد.
الحديث عن تفاهم سياسي دون ضمانات دستورية أو دولية هو وهم، فالسلطة التي لم تعترف يوما بالتعدد القومي، ولم تغير بنيتها الأمنية، لن تتحول فجأة إلى شريك سياسي. والأخطر من ذلك هو التصاعد العلني لخطابات الكراهية ضد الكرد الصادرة عن جهات تتبع للحكومة السورية الجديدة، وبخاصة من داخل المؤسسات العسكرية والمليشياوية. هذا الخطاب لا يمكن تفسيره بوصفه تجاوزات فردية أو انفعالات إعلامية، بل هو في جوهره إعلان حرب سياسي ومعنوي ضد الشعب الكردي.
ولهذا إن أي حديث متزامن عن التفاهم أو الحل السلمي يفقد معناه، حين تصور الهوية الكردية بوصفها خطرا أو مشروعا انفصاليا بطبيعته، لا يمكن لشعب أن يفاوض سلطة ترى في وجوده مشكلة، وفي حقوقه تهديدا، وفي لغته وثقافته مادة للاشتباه والقمع المسبق.
في هذا السياق، ما يعرض على قوات قسد والإدارة الذاتية من جانب سلطة دمشق ليس تسوية سياسية، بل إدارة مؤقتة قابلة للانقلاب في أي لحظة. وهنا تبرز المقارنة مع إقليم كردستان العراق بوصفها مقارنة كاشفة: فالإقليم لم ينتزع اعترافه إلا بعد انهيار فعلي لسلطة المركز، وضمن توازنات إقليمية ودولية واضحة، لا عبر تفاهمات لفظية مع سلطة تحمل في بنيتها نزعة إقصائية.
وعلى الضفة المقابلة، لا يمكن تجاهل حالة التلكؤ الواضحة التي يعيشها الوفد الكردي المشترك المنبثق عن كونفرانس قامشلو في 26 نيسان/أبريل الماضي.
فبعد الزخم السياسي والإعلامي الذي رافق الإعلان عن تشكيله، دخل الوفد في حالة صمت وانتظار مقلقة، وكأنه يقف في طابور السياسة بانتظار أن تمنحه سلطة الأمر الواقع في دمشق “الدور” أو الإذن بالكلام.
هذا السلوك لا يعكس فقط ضعف المبادرة، بل يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الدور الذي يرى الوفد نفسه فيه:
هل هو طرف سياسي يمتلك مشروعًا وخيارات، أم مجرد وفد تفاوضي ينتظر ما يُعرض عليه؟
الأخطر أن هذا الانتظار يتم من دون موقف علني واضح، ولا خطة بديلة، ولا خطاب موجّه للشارع الكردي يشرح حدود التفاوض أو خطوطه الحمراء. وفي لحظة تتصاعد فيها خطابات الكراهية ضد الكرد من مؤسسات مرتبطة بالحكومة السورية الجديدة، يصبح الصمت السياسي ليس حيادًا، بل عبئًا إضافيًا على القضية الكردية.
إن أي وفد سياسي لا يملك خيارات بديلة، ولا يلوّح بأوراق قوة، يتحول تلقائيا إلى طرف ضعيف في أي معادلة تفاوضية. وتجربة الكرد، في سوريا وخارجها، تثبت أن الحقوق لا تُمنح لمن ينتظر، بل تُنتزع بوضوح الموقف وتعدد الخيارات، وللتذكير أن إقليم كردستان العراق لم يصل إلى ما وصل إليه عبر وفود صامتة، بل عبر فرض وقائع سياسية مدعومة بإجماع داخلي، حتى في أحلك الظروف.
الانتظار الطويل بلا موقف واضح لا يخدم إلا الطرف الأقوى، ويمنح سلطة الأمر الواقع الوقت الكافي لإعادة ترتيب أوراقها، بينما تتآكل ثقة الشارع الكردي بممثليه. وفي ظل غياب بدائل معلنة—سواء بالتصعيد السياسي، أو تدويل القضية، أو إعادة تنظيم البيت الكردي داخليا—يبدو الوفد وكأنه يراهن على نوايا سلطة أثبت خطابها وسلوكها أنها لا ترى في الكرد شريكا متكافئا.
فالسياسة لا تُدار بمنطق الانتظار، إما أن يمتلك الوفد الكردي موقفا مستقلا وخيارات متعددة، أو يتحول إلى شاهد صامت على تراجع جديد في لحظة تاريخية لا تحتمل التردد.
والأخطر من ذلك هو استمرار ربط القضية الكردية ومصير الشعب الكردي في كردستان سوريا بمسارات أيديولوجية عابرة للحدود، وعلى رأسها مسار أوجلان – بهجلي الذي أثبت أنه مسار تبعية سياسية تخدم مشاريع إقليمية وعلى رأسها الاحتلال التركي ومشروع “الميثاق الملي”، أكثر مما يخدم الحقوق القومية للشعب الكردي، ولهذا من الضروري فصل حقوق الشعب الكردي عن هذه المسارات، وهذا الفصل لم يعد ترفا فكريا، بل شرطا أساسي لاي مشروع قومي تحرري حقيقي.
التاريخ الكردي الحديث مليء بالفرص الضائعة، لا بسبب غياب اللحظة المناسبة، بل بسبب التردد وسوء تقدير موازين القوة. في كردستان العراق، أُهدرت فرصة ما بعد سقوط النظام البعثي عام 2003، ثم تكررت الخطيئة إبّان هجوم تنظيم داعش الإرهابي، حين كان الإقليم فعليا أقرب من أي وقت مضى إلى كيان سيادي أوسع من الفيدرالية. واليوم، يقف الكرد في كردستان سوريا أمام لحظة مشابهة، وربما أخطر، في ظل سلطة مركزية ذات جذور أيديولوجية متطرفة، مهما تغيّرت تسمياتها أو نالت من اعتراف دولي وإقليمي.
اليوم، امام الكرد فرصة نادرة، رغم كل المخاطر، للتعبير الواضح والصريح عن حقوقهم القومية: حق تقرير المصير، وبناء كيان قومي ديمقراطي ضمن إقليم فيدرالي أو حكم ذاتي على كامل مساحة روژاڤاي كوردستان، أو على الأقل تثبيت هذا الحق سياسيا في المناطق الكردية الخاضعة حاليا لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية بوصفه الحد الأدنى الممكن في المرحلة الراهنة.
الانتظار لم يعد خيارا، والرمادية لم تعد سياسة، إما مشروع واضح، مستقل، يستند إلى إرادة شعبية حقيقية، أو تكرار مأساة الفرص الضائعة، والتاريخ; كما أثبت مرارا، لا يمنح الشعوب فرصا على الدوام، ولا يغفر لمن يختار الصمت في لحظة تستدعي القرار.
ومن هنا يبرز خيار ترسيخ حكم ذاتي فعلي في كردستان سوريا بوصفه الخيار الأكثر واقعية، وإن كان الأكثر كلفة. تحويل الإدارة الذاتية إلى حكومة محلية واضحة الصلاحيات، والعمل على خدمة الشعب ومحاسبة الفساد والكف عن السياسات السابقة لحزب ب ب د في قمع الرأي الآخر، وإن جوهر الإدارة الحقيقية لا يقاس بكثرة الشعارات، بل بمدى قدرتها على خدمة الإنسان وتأمين حياة حرة وكريمة له، وفي هذا الإطار، تبرز المناطق الكردية الواقعة تحت سيطرة قوات قسد كنموذجٍ يثير القلق، إذ يقابل ما تمتلكه من ثروات طبيعية وحالة استقرار نسبي تراجع واضح في مستوى الخدمات والبنية التحتية، الأمر الذي يطرح تساؤلات مشروعة حول أولويات الإدارة وآليات إدارة الموارد، ومدى انعكاس ذلك على الحالة المعيشية للشعب الكردي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة للسياسات الإدارية والسياسية وآليات إدارة الموارد بما ينعكس إيجابا على حياة السكان.