المواطنة والدولة التعددية في سوريا.. قراءة قانونية نقدية في الإعلان الدستوري السوري المؤقت

المحامي عبدالرحمن محمد

مقدمة

حسب القانون الدولي، لا يمكن الحديث عن دولة المواطنة والمساواة بين المواطنين في بلد متعدد القوميات والشعوب والاديان والطوائف والثقافات واللغات، ما لم يسبق ذلك اعتراف دستوري واضح بهذه التعددية وضمان حقوقها السياسية والقانونية.
وتعد سوريا نموذجا واضحا لدولة متعددة القوميات والشعوب، الامر الذي يفرض مقاربة دستورية مختلفة عن نموذج الدولة الاحادية القائمة على الاكثرية العددية.

اسس الدولة التعددية وفق القانون الدولي

لبناء دولة مواطنة حقيقية في سوريا، لا بد من توفر الشروط التالية:

  1. تحديد الهوية الوطنية الجامعة للدولة في ديباجة دستور توافقي، يعترف بجميع الشعوب والقوميات والاديان والطوائف دون اقصاء او انكار.

  2. الاقرار بالحقوق السياسية للشعوب والقوميات، بما في ذلك حق تقرير المصير ضمن الاطر القانونية الدولية.

  3. توفير ضمانات سياسية وقانونية ودستورية حقيقية، اعتمادا على المبادئ فوق الدستورية.

  4. اعتماد مبدأ الديمقراطية التوافقية، والمساواة في الحقوق بين الشعوب، بدلا من مبدأ ديمقراطية الاكثرية العددية.

  5. بعد ذلك فقط يمكن الحديث عن المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات امام القانون.

من دون هذه الاسس، تبقى المواطنة شكلية وناقصة، وبعيدة عن جوهرها القانوني والسياسي والحقوقي.

مرحلة تأسيس الدولة ومسؤولية الشراكة

تمر سوريا اليوم بمرحلة بناء وتاسيس دولة، ما يستوجب مشاركة جميع الشعوب والقوميات والاديان والطوائف في هذه العملية، وخاصة في تشخيص وتحديد الهوية الوطنية الجامعة للدولة.
ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل الاقصاء والتهميش والالغاء والانكار، او التفرد والتسلط واحتكار القرار السياسي والوطني من قبل شعب او قومية او طائفة بعينها.

قراءة قانونية في الاعلان الدستوري السوري المؤقت

عند قراءة الاعلان الدستوري السوري المؤقت، تظهر جملة من الانتهاكات والخروقات الصريحة للقانون الدولي، ولمبدأ المساواة بين الشعوب في الحقوق المنصوص عليه في ميثاق الامم المتحدة، وكذلك لمبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات امام القانون، المنصوص عليه في الاعلان نفسه.

اولا: دين رئيس الدولة

نص الاعلان الدستوري على ان يكون دين رئيس الدولة هو الاسلام.
هذا النص يشكل تمييزا دينيا وطائفيا واضحا، ويتعارض مع مبدأ المساواة بين المواطنين، ويطرح تساؤلا مشروعا:
اين المساواة بين المواطن المسيحي والمسلم؟
الترشح لرئاسة الجمهورية حق لجميع المواطنين، بغض النظر عن الدين او الطائفة او المعتقد.
وبالتالي، فان هذا النص يتناقض مع مبدأ المساواة الذي يدعي الاعلان الدستوري تكريسه، ويشكل خرقا للقانون الدولي.

ثانيا: اللغة الرسمية

نص الاعلان على ان اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة.
هذا النص يتجاهل وجود لغات اخرى تاريخية في سوريا، وعلى راسها اللغة الكردية، وغيرها من لغات الشعوب والقوميات.
ويعد ذلك تمييزا قوميا وعنصريا، وانعكاسا لعقلية قومية اقصائية، تتعارض مع مبادئ حقوق الانسان والقانون الدولي.
ممارسة لغة الام حق مشروع لجميع الشعوب، ومكفول في الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواثيق الدولية.

ثالثا: الاعياد القومية والثقافية

عدم ادراج يوم 21 اذار، عيد نوروز، كعطلة رسمية على الاقل للشعب الكردي، يعد خرقا واضحا لمبدأ المساواة بين المواطنين.
اذ كيف يسمح لبقية المكونات بالاحتفال باعيادها القومية والدينية، بينما يحرم الشعب الكردي من الاحتفال بعيده القومي؟
هذا السلوك يعكس سياسة تمييز وانكار للهوية الثقافية والقومية.

رابعا: تجاهل الهوية والوجود التاريخي

يتجاهل الاعلان الدستوري الهوية الوطنية الجامعة، ولا يعترف بالوجود التاريخي للشعب الكردي على ارضه، ولا بحقوقه السياسية وهويته القومية، ولا يراعي خصوصيته القومية.
ويشكل ذلك انتهاكا لمبدأ المساواة بين المواطنين، وللمادة 12 من الاعلان الدستوري نفسه، وخرقا صريحا للقانون الدولي.

الخلاصة

يثير الاعلان الدستوري السوري المؤقت، وسياسات السلطة الانتقالية في دمشق، تساؤلا جوهريا:
ما الفرق بين هذا الاعلان وهذه السياسات، وبين دستور وممارسات نظام البعث العروبي الطائفي السابق، وسياساته الاقصائية والانكارية والالغائية، وممارساته العنصرية والتمييزية والاستبدادية بحق مكونات الشعب السوري من الكرد والعرب وغيرهم؟

ان بناء دولة ديمقراطية حقيقية في سوريا لا يمكن ان يتحقق دون الاعتراف بالتعددية القومية والدينية والثقافية، وضمان الشراكة الفعلية والمساواة الحقيقية بين جميع الشعوب والمواطنين، قولا وفعلا، لا نصا متناقضا وممارسات اقصائية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…