بين الكلمة المكتوبة والموقف المنطوق: مسؤولية الخطاب السياسي في الإعلام

شادي حاجي

لا يختلف عاقلان على أن المواقف تتباين بين ما يُكتب وما يُقال، فلكل من الكتابة والتحدث سياقهما النفسي والإعلامي المختلف. فالكتابة تتيح مساحة أوسع للتفكير والتركيز والمراجعة، بينما يخضع الحديث الشفهي لعوامل الضغط الزمني، ورهبة الجمهور أو الكاميرا، والتأثير العاطفي، إضافة إلى التفاعل المباشر مع الأسئلة والمُحاوِر.

من هذا المنطلق، تبرز أهمية مضاعفة للمسؤولية الواقعة على عاتق من يشغلون مواقع قيادية أو يشاركون في صناعة القرار السياسي الكردي في سوريا أو أي محلل وناشط سياسي أو أياً كان موقعهم أو مستوى تمثيلهم. فالمشاركة في أي حوار أو لقاء إعلامي لا ينبغي أن تكون ارتجالية أو غير محسوبة، بل يجب أن تُبنى على معرفة دقيقة بمحاور النقاش، وطبيعة الأسئلة، وصيغها المحتملة، تجنباً لأي التباس أو انزلاق في الموقف.

الأهم من ذلك، أن يكون الخطاب الإعلامي منسجماً مع الرؤية السياسية الكردية المشتركة التي أُقرت في كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا كردستان، المنعقد في 26 نيسان/أبريل 2025 في مدينة قامشلو. فالخروج عن هذه الرؤية، ولو بحسن نية، قد يُحدث تشويشاً سياسياً أو يُفسَّر على نحوٍ يتعارض مع المضامين السياسية والقانونية والثقافية والاجتماعية التي توافق عليها الفاعلون الكرد.

كثيراً ما تختلط المفاهيم عند استخدام بعض المصطلحات السياسية أو القانونية في سياق حديث عفوي أو مشحون عاطفياً، خاصة حين يكون المتحدث تحت ضغط الوقت أو الاستفزاز الإعلامي. وهذا أمر مفهوم وطبيعي، إلا أن خطورته تكمن في أن كل كلمة في الخطاب السياسي ليست محايدة؛ بل تحمل دلالات ومعاني وارتباطات قد تُستثمر أو تُؤوَّل بطرق مختلفة.

لذلك، فإن المطلوب ليس تقييد حرية التعبير، بل تعزيز الوعي الإعلامي والشعور العالي بالمسؤولية، عبر التفكير المتأني في اختيار المفردات والمصطلحات، وضبط الخطاب بما يخدم القضية الكردية ولا يربك مساراتها. فالإعلام، في نهاية المطاف، ليس مجرد وسيلة نقل للموقف، بل شريك أساسي في صناعته وتوجيه أثره وفي تشكيل الرأي العام .

 

وإلى مستقبل أفضل

 

ألمانيا في ٢٤/١٢/٢٠٢٥

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…