خطاب الكراهية: خطر على المجتمع وانتهاك صريح للقانون الدولي

خالد حسو

يُعدّ خطاب الكراهية من أخطر الظواهر التي تهدّد المجتمعات، لما يحمله من آثار مدمّرة على السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي ومستقبل الأجيال. فعندما تتحوّل الكراهية إلى خطاب علني أو ممارسة سياسية أو إعلامية، فإنها لا تبقى في إطار الرأي، بل تصبح أداة تحريض وإقصاء، تؤدي إلى العنف، وتبرّر التمييز، وتغذّي الصراعات طويلة الأمد.

وفي المجتمعات المتعدّدة القوميات والثقافات والأديان، كسوريا، تتضاعف خطورة خطاب الكراهية، لأنه يقوّض أسس العيش المشترك، ويضرب مبدأ المواطنة المتساوية، ويحوّل الاختلاف الطبيعي إلى تهديد وجودي، ما ينعكس سلباً على الاستقرار والسلم الأهلي.

ومن المهم التأكيد أن خطاب الكراهية مرفوض ومجرَّم بموجب القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، وليس مجرد مسألة أخلاقية أو ثقافية. فقد نصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن جميع البشر يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، دون أي تمييز بسبب العرق أو القومية أو الدين أو اللغة (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادتان 1 و2).

كما أكّد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكّل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف (العهد الدولي، المادة 20/2). ويُعد هذا النص من أوضح الأسس القانونية التي تميّز بين حرية التعبير المشروعة وخطاب الكراهية المحظور.

كذلك، تلزم الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الدول باتخاذ التدابير التشريعية والقضائية اللازمة لمكافحة خطاب الكراهية، وتجريم نشر الأفكار القائمة على التفوق أو الكراهية العنصرية، ومحاسبة المحرّضين عليها (الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري، المادة 4).

ويأتي ذلك منسجماً مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد في ديباجته على الإيمان بحقوق الإنسان وبكرامة الفرد، ويدعو إلى تعزيز التسامح والعيش المشترك بين الشعوب (ميثاق الأمم المتحدة، الديباجة والمادتان 1 و55).

وعليه، فإن التذرّع بحرية التعبير لتبرير خطاب الكراهية يُعدّ تفسيراً خاطئاً للقانون الدولي، لأن حرية الرأي والتعبير تقف عند حدود المساس بحقوق الآخرين أو التحريض على التمييز والعنف. فالكراهية ليست حقاً، بل انتهاك قانوني وأخلاقي يهدد المجتمعات ويقوّض أسس الدولة العادلة.

وفي هذا السياق، يفتخر الشعب الكوردي بأن ثقافته وتاريخه وأخلاقه الاجتماعية قامت، عبر قرون، على قيم التسامح واحترام الآخر والتعايش السلمي مع مختلف المكوّنات الدينية والقومية. ولم تكن الكراهية أو الإقصاء أو التحريض جزءاً من ثقافتنا وعاداتنا، بل شكّل التنوّع دائماً مصدر قوة وغنى للمجتمع الكوردي.

إن مواجهة خطاب الكراهية اليوم ليست خياراً، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية مشتركة، تقع على عاتق الإعلاميين والسياسيين والمؤسسات التعليمية، كما تقع على عاتق الأفراد. فالمستقبل لا يُبنى بالتحريض ولا بالإقصاء، بل بالالتزام بالقانون الدولي، واحترام الكرامة الإنسانية، واعتماد لغة العقل والحوار والتفاهم أساساً لبناء السلام والاستقرار الدائم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…