جذور أزمات الشرق الأوسط بين تضخّم الأنا ورفض الآخر

سمكو عمر لعلي

لا تكاد منطقة الشرق الأوسط تخرج من أزمةٍ حتى تجد نفسها غارقة في أخرى، وكأنّ الصراع بات قدراً ملازماً لها لا فكاك منه. غير أنّ التمعّن العميق في جذور هذه المآسي يكشف حقيقةً مؤلمة، مفادها أنّ معظم أزمات المنطقة لا تنبع من شُحّ الموارد، ولا من غياب التاريخ أو الحضارة، بل من عقلية الإقصاء، وتضخّم الأنا، ورفض الاعتراف بالآخر.

لقد تحوّل الاختلاف، الذي يُعدّ في جوهره ظاهرةً إنسانية طبيعية وسُنّة كونية، إلى ذريعةٍ للصراع والاقتتال. فبدل أن يُنظر إلى التنوع الديني أو القومي أو اللغوي بوصفه مصدرَ ثراءٍ حضاري وقوةٍ اجتماعية، جرى التعامل معه كتهديدٍ وجودي يجب القضاء عليه. ومن هنا نشأت نزعات فرض الهوية الواحدة، والرأي الواحد، واللغة الواحدة، وكأنّ العيش المشترك لا يتحقق إلا بإلغاء المختلف ومحو ملامحه.

إنّ الأنا المتضخّمة، حين تتسلّح بالقوة وتتحصّن بالتعصّب، ترفض الاعتراف بحق الآخرين في الوجود، وتطالب الجميع بالانصياع لها دون حوار أو تفاهم. ومع مرور الزمن، تتحوّل هذه العقلية إلى ثقافةٍ عامة تُبرّر العنف، وتُشرعن القتل، وتُقدّم الدمار على أنّه دفاعٌ عن الحق أو صونٌ للهوية. وهكذا تمتدّ سنوات الدم والخراب، وتُهدر الطاقات، وتضيع الأوطان في صراعاتٍ عبثية لا رابح فيها ولا منتصر.

وما دام هذا النهج قائماً، وما دامت لغة السلاح تعلو على لغة العقل، فإنّ دائرة العنف ستظل مفتوحة، وسيبقى السلام حلماً مؤجَّلاً. فالسلام لا يُبنى بالقهر، ولا يولد من رحم الإقصاء، بل يحتاج إلى شجاعةٍ فكرية تعترف بالآخر، وتحترم حقّه في الاختلاف، وتؤمن بأنّ العدالة قيمةٌ واحدة لا تتجزأ.

إنّ العودة إلى العقل، والتحلّي بالحكمة، والتوكّل الصادق على الله الواحد الأحد، خالق السماوات والأرض، هي الخطوة الأولى نحو الخلاص. فقد خلق الله الناس مختلفين لحكمةٍ بالغة، وجعل التعارف أساس العلاقة بينهم، لا الصراع ولا الفناء. ومتى ما أدرك الإنسان هذه الحقيقة، وأخضع الأنا لقيم العدل والرحمة، أمكن للمنطقة أن تبدأ مسيرتها نحو السلام والاستقرار، بدل أن تبقى أسيرة دوّامة الصراعات والانقسامات.

هولير23/12/2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…