من جراحِ كوردستانَ يولدُ صوتٌ يحرسُ إنسانيّةَ العالم

ياسر بادلي

ليس اختيارُ الرئيس العراقيّ السابق، برهم صالح، مفوّضاً سامياً لشؤون اللاجئين حدثاً عابراً يمرّ على أطراف الأخبار؛ بل هو لحظةٌ ينهضُ فيها تاريخُ شعبٍ كامل ليشهد أن الأمم التي صُنعت من الألم تستطيع أن تكتب للإنسانيّة فصلاً جديداً من الرجاء.

فالمسألة ليست منصباً جديداً فحسب…

إنه اعترافٌ عالميّ بأنّ الكورد، الذين حملوا قروناً من الاضطهاد والتهجير، ما زالوا قادرين على أن يقدّموا للعالم أرقى ما في الحضارات: قلباً لا يعرف القسوة، وضميراً لا تفسده العواصف.

هذا الشعب الذي وُلد بين سفوح الجبال، وتربّى على الكرامة والعناد الجميل، لم يسمح أن تختطف المآسي إنسانيته.

بل جعل من كل جرح درساً، ومن كل نفي قوة، ومن كل فقدان نافذةً يرى منها حاجة الآخرين إلى الأمان.

فهو الشعب الذي استقبل اللاجئين فيما كان هو نفسه يبحث عن مأوى، والذي حافظ على إرثه الثقافي العريق من موسيقاه التي تُشبه صعود الجبل، إلى لغته التي تحمل دفءَ المواويل رغم محاولات محوه وتشتيته.

وحضور شخصية كوردية في موقعٍ دولي بهذا الوزن ليس تكريماً لرجلٍ بعينه، بل توقيراً لذاكرة حضارةٍ قاومت الانطفاء؛ حضارةٍ حافظت على قيم الضيافة والعدالة والصدق، وعلّمت أبناءها أن السلام ليس شعاراً، بل طريقاً طويلاً يُعبد بالصبر والنية الطيبة.

هو فخرٌ للكورد، نعم…

لكنّه قبل ذلك فخرٌ للعالم الذي فهم أخيراً أن الإنسانية لا تُقاس بالقوة ولا بحدود الجغرافيا، بل بقدرة الإنسان على تضميد جراحٍ ليست جراحه، وحماية روحٍ لا يعرف ملامحها، وإشعال نورٍ لغيره وإن بقي هو في الظل.

إنها رسالةٌ تقول للبشرية كلّها:

هذا هو الشعب الكوردي…

ذاك الذي حاولوا حصره في خانة الضحية، فإذا به يقف اليوم حارساً لكرامة الإنسان، ومُذكِّراً أن الشعوب العظيمة لا يُعرِّفها الظلم الذي تعرّضت له، بل المواقف التي تتخذها حين تُمنح فرصةً لشفاء جراح الآخرين.

هذه ليست خطوة سياسية تُسجَّل في دفتر الأيام…

إنها دعوةٌ صادقة للعالم كي يتذكّر أن العدالة تبدأ حين نرى في وجه اللاجئ شيئاً منّا، وأن الإنسانية هي الوطن الأكبر الوطن الذي يتّسع للجميع.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي *   الحرب المشتعلة أوارها في المنطقة والتي هي في الحقيقة نتيجة حتمية للسياسات المشبوهة للنظام الإيراني ولاسيما من حيث تنفيذ المشاريع الشريرة والمخططات العدوانية التي تم وضعها في ضوئها، حيث إنه قد قام من الاساس بالعمل من أجل خلق وإيجاد أوضاع غير آمنة لا يمکن للأمن والسلام أن يستتب في ضوئها إلا بأن يٶخذ مطالب…

نشر والد المقاتل السابق في «قوات سوريا الديمقراطية/قسد»، ديار مستو، نداءاً إنسانياً عاجلاً في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، قال فيه أنه تم أسر ولده من قبل الجيش التركي في «سري كانييه/رأس العين»، وتم إطلاق سراحه في عملية تبادل الأسرى عام 2020، لكن «قوات سوريا الديمقراطية/قسد»، زجّته في السجن، ومايزال معتقلاً فيه. وجاء في النداء أن أحد المفرجين عنهم من سجن…

عمر إبراهيم لم يعد القصف الذي يستهدف كوردستان من قبل فصائل ضمن الحشد الشعبي حدثاً طارئاً، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية تُدار بالنار، حيث تتحول الأراضي الكوردستانية إلى منصة لتبادل الرسائل بين إيران وخصومها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل. هذه الهجمات، التي تُنفّذ بالصواريخ والطائرات المسيّرة، لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق “حرب الظل” الدائرة في المنطقة. فهي…

صلاح عمر في خضم النقاش الدائر حول الأعلام والرموز، لا بد من إعادة وضع المسألة في إطارها التاريخي والأخلاقي، بعيداً عن القراءات المجتزأة أو التوظيف السياسي الضيق. فالقضية هنا ليست خلافاً بروتوكولياً، ولا سجالاً عاطفياً حول رمزية هذا العلم أو ذاك، بل هي مسألة تتعلق بهوية شعبٍ كاملة، وبذاكرته الجمعية التي تشكّلت عبر قرنٍ من النضال. إن العلم الذي يُرفع…