الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد عام لهروب الأسد.. بين “سقوط النظام واستمرار الانتهاكات”

حسن برو
في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 احتفل السوريون بما اعتبروه «يوم النصر»، بعد هروب الرئيس السوري السابق بشار الأسد من دمشق إلى موسكو، وانهيار النظام الذي حكم البلاد لأكثر من ستة عقود، مثل ذلك اليوم لحظة مفصلية في التاريخ السوري المعاصر، إذ بدت البلاد أمام فرصة انتقال سياسي نحو نظام جديد، يستند إلى قيم العدالة والمساءلة وحقوق الإنسان.
لكن بعد مرور عام، تظهر صورة متناقضة عن انهيار النظام الذي لم يتحول إلى تأسيس دولة الحقوق بل أفسح المجال لسلطات جديدة ارتكبت بدورها انتهاكات صارخة تتعارض مع روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948
حيث ان انهيار النظام فتحت السجون والوثائق أمام العامة مع دخول الفصائل العسكرية إلى دمشق فتحت بما فيها سجن صيدنايا سيء الصيت ،شكل ذلك الحدث لحظة تاريخية لكشف جرائم الإخفاء القسري والتعذيب ، وقد أصبحت الوثائق المسربة مادة للإعلام المحلي والعربي والدولي لعدة أشهر، وكشفت جانباً من منظومة القمع التي حكمت البلاد لعقود الستة الماضية والتي نعاني من آثارها للآن
غير أن عملية فتح السجون ترافقت ايضا مع إطلاق المجرمين الجنائيين دون آليات ضبط واضحة؛ فخرج بعضهم ليشارك في أعمال العنف والفوضى، بينما انضم آخرون إلى فصائل مسلحة، وهو ما أدى إلى اختلال الأمن العام وتزايد الجرائم.
ان مثل هذا السلوك يشكل انتهاكاً صريحاً للمادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على حق كل إنسان في الأمن الشخصي، وكذلك المادة 5 التي تحظر المعاملة اللاإنسانية.
وتحت شعارمن يحرر يقرر تم إقصاء المجتمع السوري بعد السيطرة على العاصمة، عقدت الفصائل في كانون الأول/ديسمبر 2024 ما عُرف بـ«مؤتمر النصر» تحت شعار: “من يحرر يقرّر” بدا الشعار في ظاهره ثورياً، لكنه حمل في جوهره نزعة إقصائية، تفترض حق القوة العسكرية في تحديد مستقبل البلاد دون الرجوع إلى المجتمع ومكوناته السياسية والمدنية.
تلا ذلك عقد ما سمي «مؤتمر الحوار الوطني» بلون سياسي واحد، دون دعوة ممثلي المكونات السورية وأحزابها كافة، بما في ذلك القوى المدنية والنقابية والدينية ،وهو ما يعكس انتهاكاً للمادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المتعلقة بالحق في المشاركة السياسية، وكذلك المادة 7 التي تجرم التمييز وعدم المساواة أمام القانون.
بدأت مجازر الساحل في شباط/فبراير 2025، نفذت الفصائل المسلحة عمليات عسكرية في المناطق الساحلية تحت ذريعة وجود فلول للنظام السابق غير أن العمليات لم تستثن النساء والأطفال والمدنيين، ما أدى إلى ارتكاب مجازر موثقة بحق السكان العلويين فيها وتزامن ذلك مع استمرار عمليات الخطف والابتزاز ونقل النساء إلى إدلب، دون سلطة قضائية أو تحقيقات مستقلة.
وفق مبادئ الإعلان العالمي، تمثل هذه الأفعال انتهاكاً جوهرياً للمادة 3 (الحق في الحياة)، والمادة 9 (الحماية من الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي)، والمادة 4 (منع الاسترقاق).
ومع استمرار تلك الانتهاكات بحق الساحل وتزامنا معها تم توقيع اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع لتأطير المرحلة الانتقالية، أدى الاتفاق إلى تحويل اهتمام الإعلام من جرائم الساحل إلى مفاوضات السلطة الجديدة وبنود الاتفاق، وهو ما ساهم عملياً في تحييد النقاش العام حول المجازر وتقليل الضغط الشعبي والحقوقي بشأن المحاسبة لتأتي تكرارا لأخطاء النظام السابق بالإعلان الدستوري واقصاء مكونات المجتمع السوري من جديد
حيث لم تكد تمضي أسابيع على توقيع اتفاق آذار حتى أعلنت السلطة الانتقالية في نيسان/أبريل 2025 إصدار «الإعلان الدستوري»، دون إشراك القوى السياسية أو المجتمع المدني أو ممثلي المكونات الوطنية السورية، تكرر بذلك نمطية «الحوار الشكلي» الذي مارسه النظام السابق، واستمرت هيمنة القرار الأحادي.
هذا الإجراء يمثل انتهاكاً للمادة 2 والمادة 21 من الإعلان العالمي، اللتين تؤكدان على الشمول السياسي وعدم التمييز وعلى حق الشعب في اختيار ممثليه ومراقبة السلطة.
لتأتي بعدها الفزعات العشائرية واستهداف الإخوة الموحدين الدروز
في أيلول/سبتمبر 2025، اندلعت موجة من «الفزعات» العشائرية ضد سكان محافظة السويداء، بمشاركة ودعم غير مباشر من بعض السلطات العسكرية والأمنية. تعرض أبناء الطائفة الدرزية لانتهاكات شملت القتل والاعتقال والتهجير القسري، وسط تجاهل رسمي في البداية، ثم محاولة تبرير الأحداث، قبل تشكيل لجان تحقيق «شكلية» تتبع للسلطة ذاتها، ما أفقدها الاستقلالية والمصداقية.
تتناقض هذه الحوادث مع المادة 2 التي تضمن حماية الأقليات دون تمييز، والمادة 18 التي تحمي حرية المعتقد، إضافة إلى مخالفة المادة 8 التي تضمن الحق في الانتصاف أمام محكمة مستقلة ومحايدة.
لازال خطاب الكراهية ضد المكونات وبخاصة الكرد مستمرارغم توقيع اتفاق العاشر من آذار بين مظلوم عبدي والرئيس الشرع، بقي الخطاب الإعلامي التحريضي في أوجه، خصوصاً تجاه المكوّن الكردي. وارتفعت خطابات الكراهية عبر الإعلام الرسمي وشبكات قريبة من السلطة، دون اتخاذ إجراءات قانونية رغم صدور قانون يجرّم التحريض العرقي والطائفي.
يمثل ذلك انتهاكاً واضحاً للمادة 1 من الإعلان العالمي التي تؤكد المساواة في الكرامة والحقوق، وللمادة 7 التي تضمن الحماية من التمييز، وللمادة 19 التي تشترط عدم استخدام حرية التعبير كوسيلة للتحريض على الكراهية.
اذا من حقنا ان نتسأل: أين موقع سوريا من الإعلان العالمي بعد عام؟
بعد عام على سقوط النظام وهروب الأسد، تُظهر التجربة السورية أن غياب نظام استبدادي لا يكفي لولادة نظام حقوقي. فالمشهد الجديد كرّر صورة «السلطة دون مساءلة»، مع انتهاكات متعددة التي صاحبة مسيرة عام
وهنا يغيب عن المشهد سؤال جوهري: أين يقف الإعلام العالمي لحقوق الانسان والمنظمات الدولية اليوم؟ رغم أنه تم كشف بعض مظالم الماضي، إلا أن الانتهاكات الحالية ما زالت مستمرة، ما يجعل الحديث عن «عام حقوقي جديد» في سوريا أقرب إلى الأمل منه إلى الواقع.
إن احترام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لن يتحقق عبر سقوط النظام فقط، بل عبر بناء دولة قانون تشمل الجميع، وتحقق العدالة والمساءلة، وتؤسس لمستقبل لا تتكرر فيه المآسي باسم التحرير أو الثورة أو الانتقام.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…