هل لا يزال خطاب الطاعة الشخصية مقبولاً وصالحاً في زمن الدولة الحديثة؟

شادي حاجي
في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والقانونية، وتتعمق فيه مفاهيم الدولة الحديثة ومبادئ المواطنة والمؤسسات، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لحاكم في القرن الحادي والعشرين أن يخاطب شعبه بعبارات من قبيل: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم، ولن يقف في وجهنا أحد مهما علا شأنه»؟
هذه العبارات وردت بالفعل في الكلمة التي ألقاها رئيس السلطة المؤقتة في دمشق – من داخل المسجد الأموي – بمناسبة مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد.
إن مثل هذا الخطاب يثير إشكاليات أساسية تتعلق بطبيعة الحكم وشرعية السلطة وحدودها، وبالعلاقة بين الدولة والمواطن.
أولاً: إشكالية الشرعية في الخطاب السياسي
تقوم الشرعية في الدول المعاصرة على أسس واضحة: الدستور، القانون، الانتخابات، وآليات الرقابة. أمّا خطاب الطاعة الشخصية وربط الولاء السياسي بشخص الحاكم، فهو ينتمي إلى أنماط سلطوية قديمة تقوم على الطاعة والولاء، لا على العقد الاجتماعي الحديث.
كما أن استناد الحاكم إلى شرعية دينية أو أخلاقية مطلقة يضعه فوق مؤسسات الدولة، ويحوّل العلاقة مع الشعب إلى علاقة تبعية بدلاً من علاقة مواطنة.
ثانياً: تناقض خطاب الطاعة مع مبدأ سيادة القانون
يقوم مبدأ سيادة القانون على أن لا أحد فوقه، وأن سلطة المسؤول – مهما علا منصبه – مقيدة برقابة تشريعية وقضائية وإعلامية، وتخضع للمحاسبة.
لذلك فإن القول إن «لا أحد يمكن أن يقف في وجهنا» يتعارض مع مبادئ الحكم الديمقراطي ومع مبدأ المحاسبة. فالاعتراض والمساءلة ليسا تهديداً للدولة الحديثة، بل ضمانة لعدم الانزلاق نحو الاستبداد.
ثالثاً: مكانة الدين في الدولة المدنية
إقحام الدين في الخطاب السياسي عبر عبارات مثل «ما أطعت الله فيكم» يجعل المرجعية الدينية سلطة فوق دستورية. وفي النظم المدنية الحديثة يُفصل بين القيم الدينية باعتبارها مرجعاً أخلاقياً عاماً، وبين إدارة الشأن السياسي التي تنظمها القوانين والمؤسسات المنتخبة.
وربط الطاعة السياسية بالدين قد يؤدي إلى تحويل الولاء للحاكم إلى واجب ديني، وإلى تعطيل المساءلة، ومنح الحاكم تفويضاً مطلقاً، وهو ما يتعارض مع مبادئ الدولة المدنية.
رابعاً: المواطن شريك لا تابع
تفترض الدولة الحديثة مواطنة فاعلة يشارك فيها المواطنون في صنع القرار عبر الانتخابات، ومؤسسات المجتمع المدني، والنقابات، والإعلام، وآليات الرقابة.
أما خطاب الطاعة المطلقة فيعيد إنتاج علاقة هرمية بين الحاكم والمحكوم، أقرب إلى أنماط العصور الوسطى منه إلى متطلبات العصر الرقمي.
خامساً: تحديات القرن الحادي والعشرين تحتاج خطاباً جديداً
يواجه العالم اليوم تحديات كبيرة ومعقدة، من بينها:
الذكاء الاصطناعي،
تقلبات الاقتصاد العالمي،
أزمات المناخ،
التوترات الجيوسياسية،
الهجرة والصراعات.
ومعالجة هذه التحديات تتطلب مؤسسات قوية وإدارة تشاركية، لا خطابات فردية تعتمد على التفويض المطلق وغياب المعارضة.
خلاصة الرأي
لم يعد خطاب الطاعة الشخصية أو الشرعية الدينية المطلقة متوافقاً مع أسس الحكم الحديث. فالدولة في القرن الحادي والعشرين يجب أن تُدار بالقانون والمؤسسات، لا بالولاء للأفراد.
إن قوة الدولة تُبنى بوجود مؤسسات فاعلة توازن السلطة، وتحمي حقوق المواطنين، وترسّخ شرعية قائمة على المشاركة والشفافية—not على غياب من يقف في وجه الحاكم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…