بعد عام على سقوط نظام الأسد أحلام السوريين بين التغيير والخيبة

مسلم شيخ حسن – كوباني 

يصادف الثامن من كانون الأول لحظة فارقة في التاريخ السوري الحديث. ففي مثل هذا اليوم قبل اثني عشر شهرًا انهار حكم عائلة الأسد بعد أربعة وخمسين عاماً من الدكتاتورية التي أثقلت كاهل البلاد ودفعت الشعب السوري إلى عقود من القمع والحرمان وانتهاك الحقوق الأساسية. كان سقوط النظام حدثاً انتظره السوريون لعقود إذ تحولت سوريا خلال حكمه إلى مسرح للاستبداد السياسي والقمع الأمني وتقييد الحريات حتى بات المواطن يعيش في جحيم يومي لا مفر منه.

مع سقوط النظام، عمت فرحة عارمة الشوارع السورية واحتفل السوريون عرباً وكرداً وسرياناً وآشوريين وبقية المكونات بهذا اليوم كعيد وطني تاريخي. فقد مثل الحدث انتصاراً لإرادة الشعب وبعثاً جديداً للأمل بمستقبل يقوم على العدالة والكرامة.

لكن ما لم يتوقعه الكثيرون هو أن العام الذي تلا سقوط النظام كان مليئاً بخيبة الأمل. فعلى الرغم من الآمال العريضة التي وضعها السوريون على الإدارة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع لم يلمس المواطنون أي تغير ملموس على أرض الواقع. بل على العكس، شهدت البلاد انتهاكات وتجاوزات أعادت إلى الأذهان ممارسات الحقبة السابقة مجازر في الساحل السوري بحق الطائفة العلوية، وانتهاكات جسيمة في السويداء، دون أي خطوات جادة نحو المساءلة أو العدالة الانتقالية. كما أخفقت الإدارة الجديدة في تحقيق الأمن والاستقرار اللذين انتظرهما السوريون بعد سنوات الحرب والدمار.

على الصعيد السياسي تبخرت آمال السوريين في اتفاق وطني شامل ينهي عقوداً من الإقصاء. فجاء مؤتمر الحوار الوطني منقوصاً مهمشاً مكونات واسعة من المجتمع السوري. وتكرر الأمر في إعلان الدستور الجديد وتشكيل الحكومة الانتقالية والانتخابات البرلمانية ، اجريت دون مراعاة حقيقية لتنوع سوريا. وقد بدا التهميش واضحاً بحق الشعب الكردي رغم كونه من أكثر الفئات التي دفعت ثمن في زمن النظام البائد.

كان السوريون يأملون أن تكون المرحلة الانتقالية بداية عهد جديد عهد يعيد كرامتهم ويضمن الحقوق الوطنية والقومية لجميع المكونات ويمنح الشعب الكردي حقوقه المشروعة بعد عقود من الظلم والاضطهاد. كانوا ينتظرون خطوات جادة لبناء دولة تستند إلى المواطنة والعدالة والمشاركة السياسية المتساوية.

ورغم أن العام الأول لم يحقق تلك التطلعات إلا أن الأمل لا يزال قائماً . فالشعب الذي قدم تضحيات هائلة لا يزال ينتظر من الإدارة الجديدة والرئيس الانتقالي أحمد الشرع قرارات شجاعة تقود البلاد إلى بر الأمان وتنهي حقبة الحرب والقمع.

إن مستقبل سوريا لا يبنى بين ليلة وضحاها بل يبدأ بخطوة واحدة صادقة تعبر عن تطلعات شعب عانى طويلاً . فمطلب السوريين واضح دولة عادلة، وكرامة مصانة، وحقوق متساوية لجميع المواطنين دون استثناء أو إقصاء. إنهم يريدون وطناً يحتضن أبناءه جميعاً ويعيد إليهم ما سلب عبر عقود من الظلم.

إلى أن يتحقق هذا الحلم الكبير سيبقى الأمل أكبر من الألم وسيظل السوريون متمسكين بحقهم في وطن حر يضمن العدالة والمساواة ويحفظ كرامة كل فرد. فالتغيير الذي بدأ بإسقاط الطغيان ليس نهاية الطريق بل بدايته ولن يكتمل إلا ببناء دولة تليق بتضحيات هذا الشعب العظيم وتحقق ما ناضل لأجله وأحلام أجياله القادمة.

6 / 12 /2025

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…