كيف صنعت الحكومة الانتقالية أقوى حُجّة لتقسيم سوريا

د. محمود عباس

من عجائب هذا الخراب السوري، ومن مفارقات التاريخ حين ينقلب على ذاته، أنّ الإخوة السنّة العروبيين فيمن كانوا يسمَّون بالمعارضة السورية، والمنظمات التكفيرية الذين يتبوؤون اليوم الكيان الحاكم باسم الحكومة السورية الانتقالية، ومعهم من استُجلب من أصقاع الدنيا تحت راية «الجهاد» القادم من تخوم الصين وما بينهما، باتوا اليوم، شاءوا أم أبوا، يتجاوزون أشقّائهم الكورد السنّة الذين طالما أنكروهم وجرّدوا وجودهم من شرعيته. فهؤلاء الذين رفعوا لواء «وحدة الأمة» وكفّروا كل حديث عن حقوق القوميات، هم أنفسهم من يدفعون اليوم، وبقوة واقعهم المنهار، نحو تفكيك سوريا عمليًا لا نحو إعادة بنائها، كما يطالب بها أخوتهم الكورد بالنظام الفيدرالي اللامركزي.

لقد اقتنعوا، من فرط ما رأوه من انحدار ودمار، بأن النظام المجرم الذي حكم سوريا عقودًا لم يكتفِ بتمزيق البلاد سياسيًا وجغرافيًا، بل نسف نسيج المجتمع على مستوى أعمق، وضرب الثقة بين أبناء الطائفة الواحدة والقومية الواحدة، حتى بات المسلم السنّي من قوميات مختلفة عاجزًا عن تحمّل أخيه المسلم السنّي إن اختلف معه بلهجة أو انتماء أو موقع.

وإذا كان التمزق قد بلغ هذا الحد داخل المذهب الواحد، فليس ذلك دليلًا على “استحالة التعايش”، بل إدانة صارخة لخطاب ديني وقومي مسموم فشل في إنتاج مفهوم المواطنة، وأصرّ على إعادة إنتاج علاقات الهيمنة بلباس ديني جديد. فإذا كان التصدّع داخل الدين الواحد قد وصل إلى هنا، فكيف يُراد إقناع الناس بأن الحلّ هو مزيد من القهر المركزي لا إعادة بناء الدولة على أسس العدالة والشراكة؟

لقد بات هذا الفصام العروبي مكشوفًا. يصرخون بوحدة التراب، بينما تُظهر سلوكياتهم أنهم عاجزون عن احتمال وحدة المجتمع. يرفضون النظام الفيدرالي واللامركزية السياسية باعتبارها «خطوط تقسيم»، فيما واقعهم العملي يقدّم تشظيًا أبعد وأخطر من أي صيغة دستورية عقلانية. يتوجّسون من دستور يعترف بحقوق جميع الشعوب السورية، لكنهم في الوقت ذاته يقبلون، بالفعل لا بالقول، أن تُدار مناطقهم بمنطق الفصائل والمشيخات والولاءات الخارجية، وكأنهم يستسلمون للتقسيم الذي يخافون اسمه بينما يمارسونه كل يوم.

والأدهى من ذلك أن هذا الانهيار الداخلي داخل البيت السنّي العروبي، واندفاعهم غير الواعي نحو شرعنة واقع الكيانات المتنافرة، تحوّل إلى الدليل العملي الأقوى على أن الفيدرالية ليست خطرًا على سوريا، بل مخرجًا عقلانيًا من الخراب الذي صنعته الدولة المركزية القمعية. فهؤلاء، من حيث لا يريدون، يرسّخون الحجة الكوردية الأكثر تماسكًا، أنّ اللامركزية السياسية ليست مشروعًا انفصاليًا، بل صمّام أمان يحفظ ما تبقّى من وطن مُنهك، ويمنح كل مكوّن القدرة على حماية كرامته دون أن يكون ذلك على حساب الآخر. فإذا كان المسلم السنّي لا يطيق أخاه المسلم السنّي المختلف عنه في الأصل القومي، فكيف يمكنه احتمال دولة مركزية تُدار بعقلية القهر والغلبة؟

إن المفارقة المؤلمة، والمضحكة حدّ السوداوية، أنّ من حاربوا الفيدرالية لسنوات بوصفها مؤامرة، هم أنفسهم من قدّموا اليوم الحجة السياسية والأخلاقية الأقوى لضرورتها. فلو أنّ النظام المجرم دمّر البنية الوطنية إلى هذا الحدّ، ولو أنّ الانقسام بلغ أن العربي السنّي لا يحتمل الكوردي أو التركماني السنّي، فكيف يمكن إعادة بناء سوريا إلا بصيغة جديدة تعترف بالشقوق بدل إنكارها، وتحولها من لعنة تمزيق إلى بنية سياسية تُدار بالعقل لا بالعقيدة، وبالاعتراف لا بالتكفير؟

وما يزيد الصورة قتامة أنّ خطاب الكراهية لم يعد مجرد مواقف سياسية، بل تحوّل إلى موجات تحريض علني، وفيديوهات تهديد، ورسائل حقد ضد الشعب الكوردي بوصفه كيانًا كاملًا، لا بسبب دينه، وهو السنّي في غالبيته، بل لأنه لا ينصاع للهوية العروبية الإقصائية ولا للثقافة الغارقة في الجهل والتكفير. ولو تخيّلنا، للحظة واحدة، أن الكورد ردّوا بالمثل، وهددوا المكوّن العربي أو السنّي بالطريقة ذاتها، لانهار ما تبقّى من المجتمع السوري خلال أيام. فكيف يُطلب من شعب يُهدَّد ويُحقَّر ويُشيطَن أن يسلّم مصيره لنظام يُعاد إنتاجه بالعقلية نفسها التي دمّرت سوريا؟

ما يجري اليوم بحق الكورد، وبحق سائر المكوّنات السورية، ليس تجاوزات فردية ولا انحرافات عابرة، بل ممارسة منهجية لذهنية ترى في التنوّع خطرًا، وفي الاختلاف جريمة، وفي الشراكة خيانة. ذهنية لم تتعلّم من سقوط النظام السابق شيئًا، سوى تقليد أدواته بلغة دينية أكثر فجاجة.

ولهذا لم تعد الفيدرالية هي موضع السؤال الحقيقي، بل هذا الإصرار المرضي على إنتاج دولة بالإكراه، ومجتمع بالقمع، ووطن بالكراهية. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها بالقانون، وتستقوي عليهم بالتحريض، لا تحافظ على وحدتها، بل تعلن إفلاسها. والخيار بات واضحًا مهما أنكَرَته الشعارات:

إمّا سوريا جديدة تُبنى بالاعتراف والعدالة والعقل،

أو استمرار هذا الانتحار الجماعي باسم وحدة لم تعد موجودة إلا في الخطب.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

1/12/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
3 شهور

حان الوقت لنفتح أبواب كوردستان للعم سام ،وليأخذ ترامب مايريد للشعب الامريكي من غاز ونفط كوردستان،ولاتنسى ان ا سم البرزاني في قائمة غير اليهود من القوميات الاخرى الذين ساعدوا شعب اسرائيل،لذالك لااظن بان بني اسرائيل سيبخلون على صقور اربيل…..لمدة 1400عام ونحن نقول إخوتنا من العرب والترك والفرس،بحجة الاسلام،ولم أجد من هؤلاء الاخوة من انتصر للشعب الكوردي…قل اخي عندما تكون قويا ،والا فلتذهب هذه الاخوة الى مكانها المناسب ،على غرار الشيوعية..

اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…