إيران.. “التنظيم” رافعة إسقاط الديكتاتورية!

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

في سبيل تحقيق الحرية والديمقراطية، أحد أهم دروس تاريخ إيران المعاصر هو أن النضال الاجتماعي دون “تنظيم” محكوم عليه بالفشل. لا يمكن للمرء أن يقف بمفرده في وجه ديكتاتورية منظمة ومجهزة بجميع أدوات القمع. القوة الحقيقية تكمن في تلك المجموعة التي تسعى، بتماسك وهدف واحد، لإسقاط النظام الحاكم. وتُظهر التجربة البشرية أن التغييرات الاجتماعية الكبرى لم تنشأ قط من أفعال فردية، بل كانت دائمًا نتاج حركة جماعية ومنظمة.

لكي تتمكن أي مجموعة من السير نحو هدف مشترك، فإنها تحتاج إلى تنظيم وهيكلة دقيقة ومستدامة. فبدون هيكل وانضباط داخلي، تتشتت القوى وتُهدر طاقتها. إن أولئك الذين سعوا أو يسعون ليكونوا “نجمًا” ويرغبون في أن يكونوا أبطال الساحة بمفردهم، قد استبعدوا أنفسهم فعليًا من ميدان النضال منذ البداية. لقد ولى عصر البطولة الفردية؛ فاليوم، يكمن النصر في العمل الجماعي والتنظيمي.

الحركة التنظيمية الناجحة هي تلك التي تدير جبهتين في آن واحد: داخلها، تواجه المشاكل والخلافات والتحديات وتتحرك نحو مزيد من التماسك، وخارجها، تقترب أكثر فأكثر من الهدف الرئيسي، وهو إضعاف الديكتاتورية وإسقاطها. ما يميز المقاومة المنظمة الإيرانية عن العديد من الحركات الأخرى هو هذه القدرة على التحرك المتزامن في هذين المسارين على مدى العقود الخمسة الماضية. هذه المقاومة لم تتمكن فقط من الحفاظ على تماسكها الداخلي، بل أضعفت العدو أيضًا. وليس من قبيل الصدفة أن الأنظمة الديكتاتورية في إيران كانت ولا تزال معادية للتنظيم، وقد رأت كيانها بأكمله في خطر، وتكاتفت بأشكال مختلفة في محاولة لتفكيكه.

ما نراه اليوم في إيران هو نتيجة لهذا التنظيم، والحركة المستمرة، والتنظيم المحكم. الفرد أو التيار الذي يفتقر إلى تنظيم، سيصل في النهاية إلى طريقين محتومين: إما أن يفشل وينسحب، أو يُجبر على التطلع إلى القوى الأجنبية ويرضخ للتبعية. تاريخ إيران المعاصر مليء بأمثلة لمثل هذه الحركات التي افتقرت إلى التنظيم، وبدلًا من الديمقراطية، تحولت هي نفسها إلى دكتاتوريات صغيرة، وفي النهاية إما تم إقصاؤها أو تحولت إلى أدوات في يد القوى الخارجية. هؤلاء يرتعبون من سماع كلمتي “جمهوري” و”ديمقراطي”، لأنهم تربوا أساسًا على روح الديكتاتورية ولا يستطيعون تحمل الهيكل الديمقراطي.

إحدى أبرز سمات المقاومة الإيرانية هي هذا التأكيد المستمر على التنظيم والهيكلة من الأيام الأولى للنضال وحتى اليوم. لقد ركزت هذه المقاومة، سواء داخل البلاد أو خارجها، دائمًا على بناء وحفظ الهيكل التنظيمي. لهذا السبب، أعلنت الأنظمة الديكتاتورية العداء لـ “التنظيم” منذ البداية، وبذلت قصارى جهدها لحله وبث الفرقة فيه. الشيطنة، واغتيال الشخصية، ونشر الشائعات، وحتى الاستعانة ببعض العناصر الداخلية والخارجية، كل ذلك كان جزءًا من حربهم الطويلة ضد تنظيم المقاومة.

لكن التجربة أثبتت أن التنظيم الحقيقي يجلب معه قوة البقاء والتغلب على المشاكل. فبدون تنظيم، تبقى أي حركة “سرابًا” يغرق بسرعة في مستنقع الديكتاتورية. وبدون تنظيم، يمهد الطريق للشيطنة، والمذابح، والاغتيالات، والقمع، لأن مثل هذه الحركة تفتقر إلى دعم شعبي منظم وتتراجع.

يسعى النظام الديكتاتوري، لتدمير تنظيم قوة مقاومة حقيقية، حتى بالاستعانة بحلفائه ومرتزقته في الداخل والخارج. جميع الدعاية السلبية، وادعاء إطالة أمد النضال لإسقاط الديكتاتورية، ومحاولة إثارة اليأس في المجتمع، هي نتاج هذه الحرب النفسية والعملياتية التي يشنها النظام الديكتاتوري في إيران. لكن المقاومة الإيرانية، في خضم هذا اللهيب والضغط، صُلبت وصُقّلت ووقفت أقوى من أي وقت مضى.

كلمة أخيرة!

القوة الحقيقية تكمن في امتلاك تنظيم متماسك وديمقراطي. التنظيم المبني على المشاركة الجماعية، والمساءلة، والشفافية، لا يستطيع فقط إسقاط الديكتاتورية، بل يمكنه أيضًا منع عودتها بعد الإسقاط. حماية هذا التنظيم هي حماية لمستقبل إيران. كل من يفكر في تحرير إيران، يجب أن يدرك هذه الحقيقة التاريخية وهي أنه بدون تنظيم، ستبقى الحرية مجرد أمنية بعيدة المنال. يجب أن يكون التنظيم الذي يسقط الديكتاتورية قد اجتاز الاختبار.

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…