الخيار الوحيد في سوريا هو النظام الفيدرالي

عبد الكريم عمي 
تشهد الساحة السورية تحولاً لافتاً في الأيام الأخيرة مع خروج مظاهرات حاشدة في مدن الساحل والسهل والوسط من اللاذقية وجبلة وطرطوس إلى سلمية وحمص وريف حماة في مشهد غير مسبوق منذ سنوات طويلة حيث ارتفعت فيها الهتافات المطالبة بانتقال سوريا إلى نظام فيدرالي يضمن العدالة والحقوق ويضع حداً لدوامة المركزية المُجهدة التي أنهكت البلاد والشعب معاً. هذه الاحتجاجات الشعبية التي جاءت من مناطق كانت تُعتبر تاريخياً الأكثر تماساً مع بنية السلطة التقليدية تكشف عن تحوّل عميق في المزاج العام وعن إدراك متنامٍ بأن استمرار الشكل القديم للدولة السورية لم يعد قادراً على حمل أثقال المرحلة ولا على إدارة التنوع المجتمعي والسياسي والاقتصادي المتفاقم. إن الدعوات المتصاعدة نحو الفيدرالية لم تعد تأتي من الأطراف أو من القوى السياسية الكوردية فقط بل باتت مطلباً شعبياً يتردد في عمق الجغرافيا السورية التي تدرك اليوم أن التغيير الحقيقي لن يمر عبر إعادة إنتاج المركزية ذاتها بل عبر إعادة صياغة علاقة الدولة بمكوناتها على أساس الشراكة المتوازنة وضمان الحقوق وفق نموذج عصري ناجح أثبت فعاليته في دول متعددة القوميات والطوائف.
لقد أظهرت السنوات الماضية أن النظام المركزي في سوريا لم يعد قابلاً للحياة بعد أن أدى إلى تفكك اقتصادي واجتماعي وسياسي وخلق فجوة عميقة بين الدولة ومجتمعها، كما تسبب في حرمان مكونات أساسية من حقوقها الثقافية والسياسية والإدارية مما جعل البلاد ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية. ومع نموذج دول أخرى بنظام الفيدرالي ونجاحه في الاستقرار والإدارة والاقتصاد والخدمات باتت فكرة الفيدرالية أكثر واقعية وقابلية للنقاش ليس فقط كخيار كوردي بل كصيغة إنقاذ وطنية تمنع التقسيم الحقيقي وتحقق وحدة الدولة عبر تنوعها.
إن المظاهرات التي شهدتها اللاذقية وسلمية وجبلة وريف حماة وطرطوس وحمص تحمل رسائل سياسية واضحة مفادها أن الشارع لم يعد يقبل بنظام يعيد إنتاج المعاناة نفسها وأن الحل الواقعي والعملي هو الانتقال إلى نظام جديد يمنح المحافظات والمكونات حق إدارة شؤونها ويتيح توزيعاً عادلاً للثروة ويخلق سلطة تشريعية وتنفيذية محلية قادرة على الاستجابة لاحتياجات الناس بعيداً عن البيروقراطية المركزية الثقيلة.
الفيدرالية ليست مشروع فصل أو تفكيك كما يحاول البعض تصويرها بل على العكس هي الطريق الوحيد لبقاء سوريا دولة موحدة قوية متوازنة قادرة على استيعاب التناقضات وحماية مصالح مواطنيها كافة. وما خروج هذه الحشود في مناطق محسوبة تاريخياً على مركز القرار إلا دليلاً على أن الوعي الشعبي السوري تجاوز مرحلة الخوف ووصل إلى قناعة بأن الفيدرالية ليست مطلب مكوّن بعينه بل هي ضرورة وطنية شاملة لبناء دولة جديدة بعد كل هذا الخراب.
إن المشهد السوري يدخل اليوم مرحلة حساسة فحين يطالب أبناء الساحل والوسط بالفيدرالية، فهذا يعني أن خارطة الحل لم تعد بيد السلطة وحدها، وأن الشارع بدأ يرسم ملامح مستقبل جديد، وأن الضغط الشعبي بات يتجاوز الحدود التقليدية للنقاش السياسي. وهنا يبدو واضحاً أن الخيار الوحيد المتاح أمام الجميع نظاماً ومعارضة ومجتمعاً هو صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على الفيدرالية باعتبارها الضمانة الواقعية لمنع الانهيار والحرب المتجددة وللبدء بإعادة بناء البلاد على أسس عادلة ومتوازنة تحفظ كرامة السوريين وحقوقهم أينما كانوا.
وعليه فإن سوريا بعد كل هذه التضحيات والمآسي تقف أمام منعطف تاريخي لا مجال فيه للعودة إلى الوراء حيث لم يعد ممكناً إعادة بناء الدولة بالآليات القديمة ذاتها. هذا ما عبّرت عنه مظاهرات اللاذقية وسلمية وجبلة وحمص وطرطوس وريف حماة وهذا ما يدفع المتابعين إلى القول بوضوح إن الخيار الوحيد في سوريا هو النظام الفيدرالي ليس باعتباره مطلباً سياسياً بل باعتباره ضرورة وطنية وواقعاً يفرض نفسه في لحظة إعادة تشكيل الشرق الأوسط برمته.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…