لماذا يجب أن يمتلك كرد سوريا قرارهم الآن؟

اكرم حسين

لم يعد الشرق الأوسط الذي عهدناه طيلة العقود الماضية قائماً؛ نحن اليوم أمام مشهد جيوسياسي جديد يتشكل تحت وطأة النار والحديد، وتُرسم حدوده الدبابات والطائرات المسيرة والقرارات الدولية الحاسمة ،  وفي قلب هذه العاصفة ، يقف كرد سوريا  أمام منعطف تاريخي ووجودي، لا يحتمل أنصاف الحلول ولا يقبل المجاملات العاطفية. لأن اللحظة الراهنة تفرض سؤالاً مصيرياً لا مفرّ منه: هل يمتلك كرد سوريا الجرأة لانتزاع قرارهم المستقل وصياغة مصيرهم بمعزل عن حسابات “الأوصياء ” وشعارات “وحدة الساحات”، أم أنهم سيبقون وقوداً لحروب الآخرين وأجندات لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟

إن قراءة متأنية لما جرى بعد السابع من أكتوبر، والزلزال الذي ضرب المنطقة انطلاقاً من غزة وصولاً إلى جنوب لبنان واليمن، تكشف حقيقة عارية ومجرّدة من كل مساحيق التجميل الأيديولوجي؛ وهي أن نظرية “وحدة الساحات” قد سقطت سقوطاً مدوياً. لقد رأى العالم، ورأى الكرد قبل غيرهم، كيف واجهت “حماس” مصيرها وحيدة وسط ركام غزة، بينما اختارت أطراف “المحور” الأخرى -من حزب الله إلى إيران والحوثيين- تكتيكات الرد المحسوب بدقة مجهرية، بما يخدم مصالحها القومية والوطنية الخاصة، وحفاظاً على توازناتها الداخلية، بعيداً عن الانتحار الجماعي الذي كانت تبشر به الشعارات الرنانة؟

هذا الدرس القاسي يجب أن يكون جرس إنذار مدوٍ في القامشلي وكوباني وعفرين.

إذا كانت الدول والمنظمات الكبرى تتخلى عن حلفائها عند ساعة الحقيقة حفاظاً على مصالحها ، فكيف يمكن للكردي السوري أن يرهن مصير أبنائه وأرضه لقرارات تأتي من خارج الحدود؟ وكيف يقبل أن تكون ساحته مجرد ورقة تفاوض أو صندوق بريد لتبادل الرسائل بين قوى إقليمية ودولية؟ فالأولوية القصوى اليوم يجب أن تكون لخصوصية الواقع الكردي السوري الذي يختلف جذرياً عن واقع الكرد في تركيا أو العراق أو إيران ،  رغم أن القول بضرورة “استقلال القرار الكردي السوري” ليس دعوة للانعزال عن العمق القومي، ولا هو تنكّر لروابط الدم والتاريخ، فالتنسيق والدعم المتبادل واجب وحق، ولكن شتان بين “التنسيق” بين شركاء أحرار، وبين “التبعية” التي تلغي الإرادة وتحول الشعب الكردي في سوريا  إلى أداة وظيفية !.

تتزامن هذه الحقائق مع تحولات دولية كبرى تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤها في المنطقة لصياغة “شرق أوسط جديد”. ملامحه واضحة ولا تقبل التأويل: لا مكان فيه للعنف العابر للحدود، ولا تسامح مع التنظيمات التي تصنّف كعوامل عدم استقرار. العالم يبحث اليوم عن شركاء موثوقين، عن كيانات دولتية ، عقلانية وحريصة على البناء والاستقرار، وليس عن مجموعات مؤدلجة تعيش في حالة حروب أبدية ، ومن هنا، فإن استمرار ربط مصير كرد سوريا بمركزيات قيادية خارجية ، هو بمثابة حكم بالإعدام على المكتسبات التي تحققت بدماء آلاف الشهداء ،  في الوقت الذي يتطلب حماية هذه المكتسبات عقلاً سياسياً براغماتياً يدرك أن “النجاة” تكمن في الخصوصية، وفي تقديم نموذج حكم محلي رشيد، منفتح ومستقل  ، وصانع للسلام والاستقرار.

لكن، وللأسف، لا يكمن الخطر في الخارج فقط. ثمة عدو داخلي ، يتمثل في تلك الحالة من “الاستقالة العقلية” والتبعية العمياء. إنه لمن المحزن، بل من المعيب، أن نرى قطاعات من المجتمع الكردي السوري  لا تزال أسيرة لعقلية “القطيع”، حيث ينظر إلى الحرية الفردية وحرية التفكير على أنها وباء يهدد الطمأنينة الزائفة ، ويصر أن يعير عقله لسيده ، ويجد في العبودية راحة . هذا النمط من التفكير هو الذي يخلق بيئة خصبة للديكتاتورية، ويسمح بمصادرة قرار الشعب تحت مسميات “الاخ الاكبر” التي لا تقبل النقاش.

قد يخرج علينا البعض، كلما تمت الدعوة لتحرير العقل والقرار، بسيل من الاتهامات والتخوين، مدعين أن “القائد” وحده ، هو الأعلم بالمصلحة الكردية ! فأي منطق هذا الذي يبرر إلغاء عقول مئات الآلاف لصالح رؤية فرد واحد؟ أليس من حق هذا الشعب الذي قدم التضحيات الجسام أن يكون وصياً على نفسه؟  لأن الشهداء الذين رووا تراب هذه الأرض بدمائهم لم يستشهدوا لكي يصبح قرار أهلهم مرتهناً في أماكن أخرى، ولم يموتوا لكي تُصادر أحلامهم في صراعات عدمية لا تخدم قضيتهم الأساسية. من هنا فإن  الخيانة الحقيقية لدماء الشهداء هي الصمت عن الأخطاء، والقبول بأن يُقاد الأحياء نحو الهاوية  تحت شعارات زائفة ؟ ومن العار أن يلتزم المثقفون والسياسيون والشباب الصمت إزاء هذا الاستهتار بمصيرهم ، أو الخشية من نعتهم بالخيانة من قبل جوقة المنتفعين، فكل هذا لا يعفيهم من المسؤولية التاريخية. لان الحرية ليست  شعار يُرفع في المناسبات، بل هي ممارسة يومية تبدأ بامتلاك الجرأة على قول  “لا” للوصاية، “لا” للتبعية، و”لا” لتسليم مفاتيح مستقبلنا لأي جهة كانت لا تضع مصلحة كرد سوريا فوق اي  اعتبار! لا وظيفة للمثقف والناشط اليوم أسمى من إثارة الشكوك في المسلمات الخاطئة، وزرع الأرق في عيون الذين استسلموا للنوم في حضن التبعية. يجب أن نكسر أصنامنا البشرية، وأن نتحرر من الخوف الذي زرعوه فينا بأننا “قاصرون” وبحاجة دائمة لمن يقودنا. فالشعوب الحية هي التي تصنع قادتها وتحاسبهم، وليست تلك التي تعبدهم وتقدّس أخطاءهم.

الفرصة متاحة اليوم لترسيخ أقدام الكرد  كلاعبين اساسيين في المعادلة السورية ، وهي فرصة قد لا تتكررغداً ، وبالتالي  فان الاستمرار في نهج اللامبالاة، والرضوخ لإملاءات الخارج ، لن يقود الا الى نهاية مأساوية يندم فيها الجميع ؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…