سوريا ليست رهينة.. والحكومة المؤقتة أمام اختبار أخلاقي وسياسي حاسم

بنكين محمد
في زمن تتكاثر فيه العواصم التي تريد أن تتحدث باسم السوريين، يخيَّل للمرء أن القرار الوطني أصبح سلعة تُنقل من حقيبة دبلوماسية إلى أخرى. سياسة الاسترضاء لمحورٍ ما، أو الاحتماء بمحورٍ آخر، لم تعد مجرد خطأ سياسي… بل أصبحت خيانة لجوهر الفكرة السورية، وانقلابًا على حق الناس في أن يكونوا أصحاب قرارهم، لا مستهلكين لقرارات الآخرين.
وأول من يجب أن يسمع هذه الحقيقة بلا تجميل هو الحكومة السورية المؤقتة نفسها.
فالحكومة التي لا تستطيع العودة إلى حضن أبنائها، ولا تملك الجرأة للجلوس على طاولة واحدة مع كل المكونات السورية، لا يمكن أن تدّعي تمثيلًا وطنيًا ولا قيادة سياسية.
الحكومة التي تهرب من الشراكة الداخلية، وتكتفي بالبحث عن رضا العواصم، إنما تفقد شرعيتها من جذورها، مهما تعدّدت بياناتها ومهما علت شعاراتها.
إن الحكومة المؤقتة — قبل غيرها — مطالَبة بأن تعود إلى السوريين، لا إلى مموليها.
وأن تجلس مع الجميع دون استثناء: الكرد، العرب، السريان، الآشوريين، القوى المدنية، العشائر، الأحزاب، الشباب، النساء… الجميع.
لا يجوز أن تستمر في سياسة تجاهل نصف الشعب، وكأن هذا النصف تفصيل زائد في الجغرافيا السورية.
القوة الحقيقية لا تُستورد من الخارج، ولا تُشترى بمنحة، ولا تُكتسب بزيارة.
القوة تُصنع من الداخل، من الثقة، من الشراكة، من الاعتراف المتبادل، ومن القدرة على القول:
نحن هنا… وهذه سوريا لنا جميعاً، لا لمكوّن واحد ولا لمجلس واحد ولا لولاء خارجي مهما كان براقاً.
أما سياسة الاستقواء بمحور فهي الطريق الأسرع نحو تحويل أي مؤسسة سياسية إلى ملحق خارجي بلا روح.
وأما الارتهان لرضا داعمٍ ما فهو إعلان صريح بأن القرار لم يعد سوريًا، وأن الحكومة التي ترفع علم الثورة لا تمتلك من معنى الثورة إلا لون القماش.
واليوم، لا بد أن نُعلنها بقوة:
سوريا لا تُباع، ولا تُدار بالوكالة، ولا تتجدد شرعية حكومةٍ ما لم تتصالح أولاً مع شعبها.
من لا يجلس مع مواطنيه على طاولة واحدة، سيجلس مرغَمًا على طاولة الآخرين، بصفة “مستطعِم” سياسي لا بصفة شريك.
والسوريون اليوم — بكل مكوّناتهم — يستحقون حكومة لا تخاف من الحوار الداخلي، ولا تتهرب من الشراكة، ولا ترتجف كلما تبدّل مزاج حليف خارجي.
سوريا تحتاج قيادة تُعلن بوضوح:
قرارنا من الداخل… قوتنا من الداخل… وشرعيتنا من الداخل.
غير ذلك؟
كل شيء آخر ليس إلا دورًا ثانويًا في مسرح يكتبه الآخرون… على حساب وطنٍ لم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…